تمهيد:

هناك سوء فهم يتولّد عند بعض القرّاء حين أقول إنّنا لن نفلح ما دمنا نمضي في القوالب نفسها من أنظمة الحكم ومسارات الدولة، أو حين أنقد الرابطة الوطنية والقومية وأبيّن آفات الدولة القطرية، أو حين أتحدث عن مخالفة القانون الوضعي العلماني في الأنظمة الحالية للشريعة.. حين أقول كلّ ذلك يخطر ببال كثيرٍ من القرّاء النقد اليساري الغربي للدولة الحديثة ومن تأثّر به من الإسلاميين، وهو النقد الذي يُشيطنها تمامًا، ويعتبرها بأجهزتها ومؤسساتها منتجًا غربيًّا غير قابل للتوافق مع الإسلام وشريعته.

ونظرتي إلى هذا النقد الذي نشأ في الأكاديميا الغربية ذات المزاج اليساري أنّه ترف ذهني لا يرقى إلى الاشتباك الفكري الجادّ بقضايا الواقع، فهو يقدّم تصوّرات مثالية غير منضبطة، ولا يفرّق بين ما يمكن أخذه من صور التطبيق الحديثة ومن تجارب الأمم الأخرى، وبين ما يتعارض مع الشريعة من أنظمة وإجراءات وانتماءات وتشريعات.

بل الأنكى من ذلك أنّ هذا النقد الذي يزعم تعارض الشريعة مع الدولة الحديثة ينظر إلى الواقع المعاصر بمعيار التاريخ، وهي خطيئة وائل حلاق الكبرى كما سيأتي، التي جرّها على من تابعه من الإسلاميين، مع أنهم مسلمون ينبغي لهم أن يتعاطوا مع الواقع – كل واقع في كل عصر – من خلال أدوات أصول الفقه المبنية على الشريعة، لا من خلال تجارب التاريخ التي لها ظرفها وبيئتها وأفقها كما سيأتي بيانه.

إنّ هذا لا يعني أنني أرجو إصلاحات غير جذرية، بل من قرأ مقالاتي السابقة في هذا الباب يدرك أنني أنشد إصلاحًا جذريّا في عالمنا العربي والإسلامي، وخصوصًا في مجال الدولة ومؤسساتها، ولكنّ الإصلاح الجذري (كما حدث في عهد النبوة والخلافة الراشدة) لا يستلزم الانقطاع عن تجارب الأمم والاستفادة من أنظمتها الإدارية.

هذه هي القضية التي أحاول تجليتها في هذه الدراسة، وسأتخذ لها قالبًا كثير التداول في بعض الأوساط الإسلامية، وهو الاستشهاد ببعض عبارات الأستاذ سيد قطب رحمه الله لإثبات هذا التوجّه، أي ليُثبتوا بأنّ أطروحته في مجال النظام الإسلامي كانت تروّج لقطيعة تامّة مع الدولة الحديثة، فلا تقبل مطلقًا إقامة أنظمة تستفيد من هذه الدولة الحديثة بعضَ مؤسساتها وأنظمتها وأشكالها الإدارية، ولا ترى إمكان إقامة النظام الإسلامي المستند إلى الشريعة ضمن هذه الدولة الحديثة!

****

    وائل حلاق واستحالة الدولة الإسلامية الحديثة

فلننظر أولا في ما قدّمه وائل حلاق، باعتباره الاسم الأبرز الذي يُقدَّم في سياق بيان عدم إمكان إقامة الشريعة ضمن بنية الدولة الحديثة، وذلك في كتابه “الدولة المستحيلة”، ثم ننتقل بعد ذلك لقراءة ما ذكره الأستاذ سيد قطب، لندرك إلى أي مدى يختلف الطرحان، لا على مستوى أنّ هذا مسلم والآخر ليس مسلمًا، ولا على مستوى أنّ سيد قطب يقدّم نظرية حركية للعمل الإسلامي ووائل حلاق يقدّم نقدًا للحداثة، بل تحديدًا في جزئية مدى إمكان إقامة الشريعة ضمن بنية الدولة الحديثة، وما إذا كان “المجتمع الجاهلي” أو “الجاهلية” التي عناها سيد قطب هي “الدولة الحديثة” التي عناها وائل حلاق.

يقول وائل حلاق في مطلع كتابه “الدولة المستحيلة”: “أطروحة هذا الكتاب بالغة البساطة: مفهوم “الدولة الإسلامية” مستحيل التحقق وينطوي على تناقض داخلي، وذلك بحسب أي تعريف سائد لما تمثله الدولة الحديثة”[1].

هنا تنبغي الإشارة إلى اعتماد سيد قطب اصطلاح “الدولة الإسلامية”، سواء في السرد التاريخي لدولة النبوة، أو في الحديث عن الدولة المنشودة في الواقع المعاصر. ومن ذلك قوله في كتابه “في ظلال القرآن” في مطلع تفسير سورة المائدة: “نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لينشئ به أمة؛ وليقيم به دولة؛ ولينظّم به مجتمعًا؛ وليربي به ضمائر وأخلاقًا وعقولًا؛ وليحدّد به روابط ذلك المجتمع فيما بينه؛ وروابط تلك الدولة مع سائر الدول؛ وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم…”[2]. ويقول في تفسير سورة المطففين عن طبيعة المنهج الإلهي القويم “وهو لم يتسلّم بعدُ زمام الحياة الاجتماعية، لينظّمها وفق شريعته بقوة القانون وسلطان الدولة”[3]. ويقول في “الظلال” أيضًا: “إنّ الزكاة هي حق بيت مال المسلمين تجبيها الحكومة التي تنفّذ شريعة الله، وتنفقها في مصارفها المعلومة”، ويقول بعد أسطر عن الحقّ في المال سوى الزكاة: “فإن لم يفعل واحتاجت إليه الدولة المسلمة التي تنفّذ شريعة الله أخذته فأنفقته فيما يصلح الجماعة المسلمة”[4].

وهذه العبارات الواضحة تعني مبدئيّا أنّ سيد قطب بعيد كل البعد عن أطروحة وائل حلاق المجازفة، بل يندرج ضمن الأطروحة الإسلامية التي ينقدها وائل حلاق. وهذه إشارة مبدئية، لنرجئَ الحديث عن تفاصيل منهج سيد قطب في قسم لاحق من الدراسة.

وحين نستمر في قراءة وائل حلاق، فإنّ أول ما نلحظه في كتابه هو عدم تفريقه بين “الدولة الحديثة” ككيان إداري مؤسّساتي له خصائص مادية وإدارية تختلف عن بنية الدولة في العصور ما قبل الحديثة، وبين مضمونها من مبادئ ومفاهيم وأنظمة تصطبغ بقيم معيّنة يمكن انفكاكها عنها كما أوضحت في مقالات سابقة سأحيل إليها في آخر هذه الدراسة.

فنجده في سياق نقده للمفكّرين المسلمين الذين قبلوا الدولة الحديثة كأمر مفروغ منه وكحقيقة طبيعية، يتحدث عن مكونات الدولة الحديثة التي قبلوها، والتي هي من وجهة نظره تتعارض مع الشريعة، مثل القومية ومفاهيم المواطنة والديمقراطية[5]. لكنّ حلاق يغالط هنا، لأنّ الدولة الحديثة لا يلزم أن تكون مشحونة بهذه المحتويات المفاهيمية التي تعبّر عن أيديولوجيات معيّنة، ففكرة القومية والرابطة الوطنية مثلًا التي تتعارض مع الروابط القديمة المتجاوزة لحدود الدولة نُقضت في دول حديثة استمرّت لعقود دون أن يتعارض ذلك مع “بنية” الدولة الحديثة، فهي ليست مكوّنات بنيوية أصيلة للدولة الحديثة بقدر ما هي “محتوى” أيديولوجي، فقد تجاوزت الشيوعيةُ القوميةَ، والقوميةُ اليهودية في حقيقتها رابطة دينية، تمنح كل يهودي في أي مكان في العالم الحقوق ذاتها التي تُمنح لليهودي المقيم في الدولة اليهودية!

كذلك الأمر فيما يتعلّق بالديمقراطية، إذ ثمّة دول عديدة في عالمنا ليس فقط أنّها لا تطبّق الديمقراطية فعليّا وتكتفي بشكل زائف منها في ظلّ نظام جمهوري استبدادي، بل لا يوجد فيها أي مؤسسات للديمقراطية، فهي ملكية محضة كالسعودية مثلًا، ومع ذلك استوعبت هذه الدول بنية الدولة الحديثة مؤسساتٍ وأنظمةً إدارية وتقنياتٍ وطرقَ تنظيمٍ على أعلى مستوى.

هذه الخلاصة توضّح لنا المغالطة الأولى التي يمارسها وائل حلاق، وهي خلطه بين المحتوى الأيديولوجي للدولة وبين بنية الدولة الحديثة.

أما مغالطته الثانية، فهي تركيزه على توجّه معيّن من الخطاب الإسلامي الذي يحمل مفهوم “الدولة الإسلامية”، ويرى أنّه بنقد أطروحة هذا التوجّه قد نقد مفهوم “الدولة الإسلامية”. فنجده يعرض تصريحًا لجماعة “الإخوان المسلمون” تقول فيه: “الدولة المدنية كتعبير عصري عن الدولة الحديثة، بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة لا يتعارض مع تطبيق الشريعة…” ومن ضمنه أيضًا – كما نقل – “تعميق مفهوم المواطنة، فهذا مما يجب أن تقوم به الدولة الحديثة في فهمنا للإسلام”[6].

ووائل حلاق يدرك على الأرجح أنّ هناك طيفًا واسعًا من الإسلاميين المطالبين بدولة إسلامية يرفضون هذه الأطروحات، بل قدّموا لها نقدًا جذريّا قبل أن يخوض هو كل اشتغاله الأكاديمي هذا، ومن بين هذا الطيف سيد قطب نفسه.

وهو لا يكتفي بهذه المغالطة، بل يقدّم تصوّرًا تنبّؤيّا غير علمي، يفترض فيه أنّ “نمطًا من الحكم الإسلامي قد يأتي إلى الوجود، على الرغم من كل الفرص الضعيفة والمعوّقات القوية”، ويحاجج بعده “بأنّ الأشكال الحديثة للعولمة ووضع الدولة في هذه الأشكال المتعاظمة القوة، يكفيان لجعل أي صورة من الحكم الإسلامي، إمّا أمرًا مستحيل التحقق وإمّا غير قابل للاستمرار على المدى البعيد، هذا إذا أمكن قيامه أصلًا”[7].

وحشده لاحقًا لكل الأسباب الواقعية التي يرى أنّها تقف عائقًا أمام هذا الشكل من الحكم الإسلامي ضمن بنية دولة حديثة في واقعنا المعاصر لا يجعل نظرته هذه علمية، فلا أحد يعلم بالمستقبل القريب أو البعيد، ولا بالتغيرات والعوامل التي قد تكون مساعدة أو معيقة لهذا الشكل. والإشكالية أن هذا النوع من التناول يشي برغبة في التيئيس عن مجرّد التفكير أو المحاولة، مع أنّ العوائق التي يذكرها لا تخرج عن أن تكون عوائق واقعية يمكن للإنسان تغييرها كما تغيّر العالم مرات ومرات على مرّ القرون بل على مرّ العقود والسنين! فهو أقرب إلى إضفاء صفات “حتمية” أو “جبرية” على الشكل الحالي للنظام العالمي.

بل كلامه هذا يتعارض مع كلام سابق له في الكتاب نفسه، حيث يقول في أحد الهوامش: “لا أدعي بأي طريقة، أنّ الشريعة الإسلامية أو الحكم الإسلامي لا مكان لهما في العالم الذي نعيش فيه والذي نأمل أن يعيش فيه أطفالنا. فلا يسمح بهذا الفهم إلا نظرة متعصّبة وضيقة وقصيرة الأمد”[8]!

وهو يقع هنا في تناقض فجّ في صفحات قليلة، ثم يتّهم نظرة من يفهم كلامه كما هو بأنّها “متعصّبة وضيّقة وقصيرة الأمد”! إلّا إذا كان يقصد بالشريعة والحكم الإسلامي اللذين لهما مكان في العالم تطبيقًا فرديّا في المجتمعات بعيدًا عن تأثير الإسلام في أصول الحكم ومجريات السياسة والاقتصاد وأنظمة الدولة. ولهذا نجده في الهامشة نفسها يقول بكلام عائم: “ربما تكون إعادة الصياغة المبدعة للشريعة والحكم الإسلاميين أكثر الطرق الملائمة والبنّاءة لإعادة تشكيل المشروع الحديث الذي هو بحاجة ماسّة إلى إعادة البناء والتكوين على أسس أخلاقية (انظر الفقرات الختامية في الفصل السابع). ولا يمكن للمسلمين تخيل إعادة التأسيس هذه وتوابعها السياسية والقانونية من دون تشخيص سليم لمشكلة “الدولة الإسلامية”[9].

والمغالطة الثالثة الكبرى التي يرتكبها وائل حلاق ولم ينتبه إليها كثير من الإسلاميين الذين تابعوه، هي تصوّره للشريعة باعتبارها التطبيق التاريخي لها، لا باعتبارها الأحكام الشرعية في الكتاب والسنّة والهدْي النبويّ والراشد وما يُحمل عليها من اجتهاداتٍ بناءً على أدوات أصول الفقه، كما يفهمها المسلمون وكما مارسوها طوال عصورهم. إنّ وائل حلاق ليس مسلمًا، ولا يعود إلى النبع، بل يمارس منهجًا تاريخانيّا يحدّد الشريعة بناء على ممارسات تاريخية، فهو يقارن بين بنية تاريخية (الحكم الإسلامي ما قبل الحديث) وبنية معاصرة (الدولة الحديثة)، ويجد أنهما غير متطابقتين. وهو استنتاج محكَم، بيد أنّه مغلَق عمليّا، وهذا هو الفخّ المنهجي الذي وقع فيه إنْ أحسنّا الظنّ به!

انظر إليه يتساءل بعد تقرير فرضية استحالة الدولة الإسلامية الحديثة وتناقضها ذاتيّا: “إذا كانت هذه الحالة غير متصوَّرة، فربّما يتساءل المرء عن الكيفية التي حكم بها المسلمون أنفسهم في ضوء الحضارة العظيمة التي صنعوها والإمبراطوريّات التي بنوها، وعن شكل الحكم الذي مارسوه”[10]. ويقول في موضع آخر بعد نقده للتجارب الحديثة في استدخال الشريعة في الدولة والتي كانت في معظمها هشة وفاشلة: “ولذلك فإننا سنحسن صنعًا إذا غضضنا الطرف عن التجربة الإسلامية الحديثة وشريعتها وأخرجناهما من الاعتبار، وركزنا بدلًا من ذلك على ما عنته الشريعة للمسلمين على مدار اثني عشر قرنًا قبل الحقبة الاستعمارية عندما كانت ظاهرة نموذجية”[11].

فالنموذج الذي يتّخذه وائل حلاق معيارًا لتبيّن صورة “الشريعة” أو “الحكم الإسلامي” هو النموذج التاريخي، أو هو التطبيقات التاريخية للمسلمين في ظروف محددة ما قبل حداثية. أي أن الشريعة – بكلمات أخرى – هي “مفهوم زمني” في حسّه، ونجده يقول مثلًا إنه يستخدم “التعبير المركّب “الحكم الإسلامي” من أجل التفريق نوعيّا – وليس كمّيّا بالضرورة – بين العيش ضمن الدولة الحديثة وفي ظلّها ومعها من جهة، والعيش ضمن شريعة ما قبل العصر الحديث وفي ظلّها ومعها من جهة أخرى”[12]. ونحن نعلم أنّه لا توجد في الإسلام “شريعة ما قبل العصر الحديث” وشريعة أخرى لما بعد العصر الحديث، فالشريعة غير مرتبطة بالزمن بقدر ارتباطها بالوحي المتجاوز للزمان والمكان. وأنّ الذي يرتبط بالظروف التاريخية والبيئة الخاصة هو “الفقه”، وهو منتَج بشري، ومن ثمّ فإنّ غياب صور تاريخية وممارسات فقهية معيّنة كانت مرتبطة بالمجتمعات الإسلامية القديمة لظروف خاصة تتعلق ببنية هذه المجتمعات وشكل السلطة والعلاقات وقتذاك؛ لا يعني غياب “الشريعة” أو استحالة إقامتها في بنية الدولة الحديثة والمجتمعات المعاصرة.

بكلمات أخرى: إنّ عدم قدرتنا على استعادة بعض تلك التطبيقات الفقهية والصور التاريخية لا يستلزم عدم قدرتنا على إقامة الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان، والتي تنبثق عنها قواعد متجاوزة للأحداث والتاريخ والوقائع والظروف المجتمعية والسلطوية، مثل قاعدة “الميسور لا يسقط بالمعسور”، و”ما لا يُدرَك كلّه لا يُترك كلّه”، والتي نفهمها من نصوص شرعية مثل قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16)، أو قوله عليه الصلاة والسلام: “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم”(صحيح مسلم). فهذه القاعدة على سبيل المثال تفتح الباب لإقامة ما يقدر عليه المسلمون من الشريعة في المجال الخاص والعام، ومن ثم فهي تتجاوز ذلك السؤال الأكاديمي الغارق في مقارنة التطبيقات التاريخية بالأشكال الحداثية. تتجاوزه لا لتقول إنّ الأشكال الحداثية هي الإسلام كما يموّه وائل حلاق حين يعرض أطروحة واحدة من أطروحات الإسلاميين وينقضها، وهي أطروحة دولة المواطنة أو الدولة العقارية أو الإيمان بالديمقراطية، بل تتجاوزه لتحاول مدّ بساط الشريعة مع بذل الجهد والاجتهاد في الرؤية والقدرات على الواقع المعاصر، أيًّا كان هذا الواقع، ما دام الذين يقومون عليه مسلمون، مأمورون بالعبودية الخالصة لله ما بقي فيهم عِرقٌ ينبض.

وتجدر الإشارة إلى أنّ وائل حلاق ينطلق في أطروحته هذه من تحليل بنيوي مستمدّ من شخصيات مثل ماكس فيبر وميشيل فوكو وأنطونيو غرامشي وحنة آرنت وكارل شميت وألسدير ماكنتاير، حيث كان ينظر من خلال مناظيرهم وأدواتهم التحليلية إلى الدولة وفلسفتها وممارساتها. وهو في تحليله هذا يرى أنّ الدولة الحديثة – أيّا كانت عقيدتها أو أيديولوجيّتها – تقوم على منظومة سيادة وقانون وإدارة بيروقراطية تجعلها مناقضةً للشريعة وأخلاقياتها، ويصوّرها كما لو كانت “كتلة صمّاء” مغلقة بنيويّا، وتشكّل بنيتها هذه نسقًا واحدًا لا يقبل إعادة بناء أو تعديلات جذرية يمكنها أن تفرض سيادة الله من خلال الشريعة.

وخلاصة أطروحة حلاق عن أسباب عدم إمكانية إقامة الشريعة ضمن بنية الدولة الحديثة أنّ هناك أوجهًا من التناقض بين “الدولة الحديثة” وبين “الشريعة” أو “الحكم الإسلامي” كما تبدّى في التاريخ الإسلامي ما قبل الحديث. هذه التناقضات هي عبارة عن بنى هيكلية في الدولة الحديثة تتعارض بنيويّا مع النظام الإسلامي الأخلاقي.

ومن أبرز تلك البنى الهيكلية: مفهوم السيادة؛ حيث السيادة للدولة باعتبارها الكيان الأعلى الذي يصنع القانون ويفرضه، مقابل المؤسسات المجتمعية – كالفقهاء والمفتين والقضاة – الذين يتكفّلون بشكل غير مركزي ببناء معمار الفقه والقضاء الذي يعمل به المجتمع. والأداتية الإجرائية؛ حيث الكفاءة التقنية والإجرائية هي معيار الفعل لا القيمة الأخلاقية كما كان في الحضارة الإسلامية. والبيروقراطية والإدارة المركزية؛ حيث تحتكر الدولة السلطة وتتحكّم بالمجتمع عبر جهاز إداري موحّد يشمل كل مجالات الحياة، مقابل شبكة من المؤسسات المستقلّة في العالم الإسلامي ما قبل الحداثة: كالقضاء والمفتين والوقف والمدارس التعليمية والسوق وغير ذلك. والقومية التي هي إحدى أدوات الدولة الحديثة لتشكيل الذات الجماعية؛ حيث الدولة هي المرجع النهائي للهوية والولاء، بخلاف الشريعة التي تبني الولاء على أساس الإيمان. إلى غير ذلك من الخصائص التي يراها حلاق “بنيوية” في هيكل الدولة الحديثة.

وقد ناقشت معظم هذه الخصائص في المقالات التي سأحيل إليها في نهاية الدراسة، وبيّنتُ أنّ ما يتوهّمه حلاق بنيويّا غير قابل للتغيير ليس كذلك، بل هو قابل للتغيير متى توفّرت الرؤية والإرادة والقدرة. بل من يقرأ لسيد قطب في كلامه عن الدولة في كتاب “في ظلال القرآن” وغيره، يدرك بأنّه واعٍ على تلك الإشكاليات في الدولة الغربية الحديثة، ولكنّ الفرق أنّه لا يعتبرها بنيوية سنفقد الدولة الحديثة بفقدانها، بل يقدّم رؤيته حول الطبيعة المختلفة للدولة الإسلامية الممكنة حين يقوم المجتمع الإسلامي العامل على بنائها كما سيأتي بيانه خلال الدراسة.

لكن نقول هنا إجمالًا: إنّ إشكالية “السيادة” واحتكار البشر للتشريع؛ يواجهها سيد قطب بمفهوم “حاكمية الشريعة” التي تتحقق من خلالها سيادة الله. وهو واضح في رفضه للقومية أساسًا للتجمّع والانتماء كما في فصل “مجتمع عالمي” في كتاب “نحو مجتمع إسلامي”، أو فصل “جنسية المسلم عقيدته” في كتابه “معالم في الطريق”. ويتناول إشكالية الأداتية والأخلاق من خلال حديثه – كما سيأتي – عن إهدار النظام الجاهلي لآدمية الإنسان واعتباره ترسًا في الآلة، ومن خلال رفضه للمذاهب المادية والوضعية، ومن خلال نقده تحوّلَ الزكاة إلى مجرّد “ضريبة” تأخذها الدولة وتحقق من خلالها هدفًا إجرائيّا، وعند حديثه عن الرقابة الأخلاقية الذاتية في الشريعة مقابل فقدانها في القانون البشري. وسنرى كيف أنه يتحدث عن تجاوز البيروقراطية وآفاتها من خلال طريقة بناء المجتمع المسلم كما سيأتي في تفسير سورة يوسف، حيث يرى أن بناء هذا المجتمع حين ينشأ من جديد واجتماعه على القيم الإيمانية سيكوّن مساحات من المشاركة المجتمعية المحلية المترابطة، ويظهر من مقترحاته حين يتناول قضية الشورى أنه لا ينظر للبيروقراطية الصارمة كأمر حتمي لا مفرّ منه. إلى غير ذلك من الرؤى كحديثه عن بناء المجتمع من الأسفل وغيرها من اللفتات التي تكشف عن وعيه على آفات الدولة الغربية الحديثة، أو “النظام الجاهلي” بتعبيره، وعن تصوّره لإمكان تعديلها. وسنرى في الأقسام التالية تفصيل سيد قطب لهذه الرؤى.

وهكذا يمكننا أن نفهم الآن صورة إجمالية جيّدة لمنطلقات وائل حلاق في نقده لمفهوم “الدولة الإسلامية الحديثة”، وأسباب زعمه باستحالة إقامة الشريعة ضمن هذه الدولة الحديثة، ويراجَع كتابه “الدولة المستحيلة” للمزيد من التفصيل.

فلننظر الآن إلى أطروحة الأستاذ سيد قطب، لنرى: هل تتفق فعلًا مع أطروحة وائل حلاق كما يزعم بعض الإسلاميين؟

****

    سيّد قطب والنظام الجاهلي

حين قرأت من قديم كلام الأستاذ سيد قطب هذا حول النظام الإسلامي والنظام الجاهلي والمفاصلة بينهما لم أفهمه كما يفهمه بعض الباحثين الذين يخلطونه بكلام وائل حلاق ويزعمون أنهما ينطلقان من فكرة واحدة، وهي مناهضة الدولة الحديثة والزعم بأنها لا يمكن أن تتوافق بحال مع الشريعة، أو أنه لا يمكن إقامة الشريعة من خلال مؤسساتها.

لم يذكر الأستاذ سيد “الدولة الحديثة” كما يفعل هؤلاء المعاصرون، بل كان يتحدث بأسلوب أدبي، يفهمه ويستوعبه من يحب الأدب ومن قرأ مقالاته في صفحات “المقتطف” و”الكتاب” و”الرسالة” وغيرها، إلى جانب كتبه النقدية الأدبية ثم كتبه الإسلامية المتقدّمة والمتأخرة. ومن ثم فإنّ شدّة عبارته مقصودة للإيقاظ لا لتَوهُّم أنه يدعو إلى مجتمع طوباوي منقطع الصلة عن منجزات الحداثة البشرية وأنظمتها الإدارية!

ويقيني لو أنّ تجربته استمرت، وقُدّر له أن يكون ضمن دولة معاصرة يكون هو من موجّهيها، لم يكن ليطرح أنظمة شبيهة بما فعلته داعش على سبيل المثال، أو ما يقدّمه حزب التحرير من تصورات تفصيلية مقرّرة مسبقًا حول “الخلافة”، أو أطروحة جميل أكبر التي تريد تفتيت فكرة الدولة ومؤسساتها وبناء نموذج شديد المثالية يعود بالتاريخ إلى الوراء، مع الاختلافات المعروفة بين هذه الأطروحات.. لم يكن سيد قطب سيطرح مثل هذه التصورات، بل كان سيتطرّق بشكل واقعي إلى مفاصل الإشكالية في الدولة، وأبرزها: قاعدة التشريع المبنية على الهوى البشري والهوية والولاء والقيم الجاهلية التي أكثر من الكتابة حولها، مع قبوله لكثير من الأشكال الحديثة والأنظمة الإدارية والسياسية التي لم يعرفها التاريخ الإسلامي، والتي هي نتاج الحداثة. وأزعم أنّ من قرأ سيد قطب بشكل شامل وتمرّس بفكره جيّدا سيخرج بهذه النتيجة، وهو ما سنعرض إلى جانب منه كما ظهر في كتاباته.

سأحاول هنا بيان خطأ تلك القراءة الإسقاطية التي حملت كلام سيّد قطب وأمثاله على رفضه المطلق للدولة الحديثة، وإيمانه بعدم إمكان تطبيق الشريعة من خلالها. فهذه قراءة مبتورة ناتجة عن عدم فهم كتابات الأستاذ، وعن التأثر بأطروحات يسارية حديثة روّجت لها بعض الأسماء المشهورة في نقد الحداثة، وعلى رأسها البروفيسور وائل حلاق كما أسلفنا.

فمن تلك النصوص التي يُستشهد بها مبتورةً عن سياقها ما كتبه الأستاذ سيد قطب في كتابه “في ظلال القرآن” حيث قال:

“إنّ هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبَّق فيه النظام الإسلامي، ولن تطبَّق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام.. لن تطبَّق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أنّ قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك!

إنّ المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي.. ينشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت – في وجه الجاهلية – لإنشائه؛ وتحددت أقدارها وتميزت مقاماتها في ثنايا تلك الحركة.

إنه مجتمع جديد.. ومجتمع وليد.. ومجتمع متحرك دائما في طريقه لتحرير “الإنسان”.. كل الإنسان.. في “الأرض”.. كل الأرض.. من العبودية لغير الله، ولرفع هذا الإنسان عن ذلّة العبودية للطواغيت.. أيًّا كانت هذه الطواغيت..”[13].

وللوهلة الأولى يبدو هذا الكلام في شطره الأول شبيهًا بكلام وائل حلاق في “الدولة المستحيلة”، ولكن مهلًا، فحين نقرؤه في سياقه، ونضمّه إلى كلامه الآخر في كتبه الأخرى في هذا الباب، ندرك أنّه بعيد جدّا عن أطروحة وائل حلاق، بل مناقض لها!

واللافت في هذا النصّ أنّه لا يتحدث عن “الدولة الحديثة” بل عن “المجتمع الجاهلي”، لأنّ مشكلته في هذا النصّ – كما سنرى – هي مشكلة التصورات والمشاعر والأفكار المهيمنة على المجتمعات. والأهم أنّ هذا النصّ هو جزء من قضية فكرية عُرف بها سيد قطب، وهي رفضه الحديث عن التفاصيل الفقهية للأنظمة والأوضاع الجاهلية المعاصرة ما دامت هذه الأنظمة والأوضاع والمجتمعات لا تقوم على قاعدة الإذعان للشريعة والعبودية الخالصة لله. ومن المهم جدّا أن ندرك السياق الذي قيل فيه هذا النصّ أعلاه.

فهو يذكره في سياق تفسيره لسورة يوسف، وتحديدا في تفسير قوله تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف: 55). يبدأ السياق بإجابة سيد قطب عن شبهتين: طلب التولية وتزكية النفس، اللتين تبدوان متعارضتين مع ما جاء من توجيهات مخالفة لذلك في الشريعة. ومن خلال هذه المناقشة يَلِج إلى قضية مفادها أنّ الفقه الإسلامي نشأ “في مجتمع مسلم، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية. كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم؛ إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي”[14].

ومن هذه القضية ينتقل سيد قطب إلى نقد “فقه الأوراق”، وبيان اختلافه الجذري عن “فقه الحركة”. والمقصود بفقه الأوراق هو أولئك الذين يريدون أخذ الاجتهادات الفقهية القديمة والأحكام المدوّنة في كتب الفقه دون إدراك للحقيقتين السابقتين: أنّ الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ ولا يُفهم في فراغ، وأنّه ليس هو الذي أنشأ المجتمع المسلم بل المجتمع المسلم هو الذي أنشأه. أما “فقه الحركة” فهو “يأخذ في اعتباره “الواقع” الذي نزلت فيه النصوص، وصيغت فيه الأحكام. ويرى أنّ ذلك الواقع يؤلّف مع النصوص والأحكام مركّبًا لا تنفصل عناصره. فإذا انفصلت عناصر هذا المركب فقد طبيعته، واختلّ تركيبه!”[15].

ويبيّن من خلال هذا الفرق كيف نشأ الحكم الفقهي الإسلامي بعدم تزكية النفس وعدم ترشيحها للمناصب، وهو المأخوذ – كما يقول – من قوله تعالى {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} (النجم: 32)، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “إنّا والله لا نولّي على هذا العمل أحدًا سأله” (صحيح مسلم). فقد نشأ هذا الحكم “في مجتمع مسلم؛ ليطبَّق في هذا المجتمع، وليعيش في هذا الوسط؛ وليلبّي حاجة ذلك المجتمع، وفق نشأته التاريخية، ووفق تركيبه العضوي، ووفق واقعه الذاتي. فهو من ثمّ حكم إسلامي جاء ليطبَّق في مجتمع إسلامي.. وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي. وهو من ثمّ لا يطبّق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلّا إذا طُبّق في مجتمع إسلامي.. إسلامي في نشأته، وفي تركيبه العضوي، وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة.. وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقومات كلها يعتبر “فراغًا” بالقياس إلى ذلك الحكم، لا يملك أن يعيش فيه، ولا يصلح له، ولا يُصلحه كذلك!”[16].

ويوضّح سيد قطب لاحقًا “لماذا لا يزكّي الناس أنفسهم في المجتمع الإسلامي، ولا يرشّحون أنفسهم للوظائف، ولا يقومون لأشخاصهم بدعاية ما كي يختاروا لمجلس الشورى أو للإمامة أو للإمارة…”، فيقول: “إنّ الناس في المجتمع المسلم لا يحتاجون لشيء من هذا لإبراز فضيلتهم وأحقّيتهم. كما أنّ المناصب والوظائف في هذا المجتمع تكليف ثقيل لا يغري أحدًا بالتزاحم عليه – اللهم إلّا ابتغاء الأجر بالنهوض بالواجب وللخدمة الشاقة ابتغاء رضوان الله تعالى – ومن ثم لا يسأل المناصب والوظائف إلا المتهافتون عليها لحاجة في نفوسهم. وهؤلاء يجب أن يُمنعوها!”[17].

ثم يتحدث في سياق طويل عن نشأة المجتمع المسلم الأول، وتعرُّض الفئة المؤمنة الأولى للأذى والفتنة، فيصمد من يصمد، ويمكّن الله لهم، فينساحون في الأرض يقيمون دين الله، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا. وخلال ذلك كلّه “تتميّز أقدار الناس، وتتحدّد مقاماتهم في المجتمع، ويقوم هذا التحديد وذلك التميّز على موازين وقيم إيمانية، يتعارف عليها الجميع، من البلاء في الجهاد، والتقوى والصلاح والعبادة والأخلاق والقدرة والكفاءة.. وكلها قيم يحكم عليها الواقع، وتبرزها الحركة، ويعرفها المجتمع ويعرف المتّسمين بها.. ومن ثم لا يحتاج أصحابها أن يزكّوا أنفسهم، ولا أن يطلبوا الإمارة أو مراكز الشورى والتوجيه على أساس هذه التزكية”[18].

وهكذا يتحدث عن تميّز المهاجرين ثم الأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل.. ثم يقول إنّ أي مجتمع مسلم سينشأ من جديد لن يوجد إلا بمثل هذه النشأة، أي بأن تقوم دعوة لإخراج الناس من الجاهلية التي يعيشون فيها، وتخوض هذه الدعوة كفاحها مع الجاهلية، وتحدث الفتن، فيرتدّ من يرتدّ، ويصبر ويُصابر آخرون، ثم يحدث التمكين “فيقوم في أرضٍ من أرض الله نظام إسلامي.. ويومئذٍ تكون الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميّزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية، وفق الموازين والقيم الإيمانية.. ويومئذ لن يحتاج هؤلاء إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها، لأنّ مجتمعهم الذي جاهد كلّه معهم يعرفهم ويزكّيهم ويرشّحهم!”[19].

ثم يقرر سيد قطب أنّ المجتمع ينبغي أن يستمرّ على هذا النمط الإسلامي في العبودية لله وحده والانقياد لشريعة الله، وستظلّ الأحكام الشرعية من ثمّ فاعلة في هذا المجتمع. ومن هنا يردّ على الشبهة القائلة بأنّ “المجتمع حين يتّسع لا يعرف الناس بعضهم بعضًا، ويصبح الأكفاء الموهوبون في حاجة إلى الإعلان عن أنفسهم وتزكيتها وطلب العمل على أساس هذه التزكية!” فيجيب الأستاذ سيد: “وهذا القول كذلك وهمٌ ناشئ من التأثّر بواقع المجتمعات الجاهلية الحاضرة.. إنّ المجتمع المسلم يكون أهل كلّ محلّةٍ فيه متعارفين متواصلين متكافلين – كما هي طبيعة التربية والتكوين والتوجيه والالتزام في المجتمع المسلم – ومن ثم يكون أهل كلّ محلّةٍ عارفين بأصحاب الكفايات والمواهب فيهم، موزونة هذه الكفايات والمواهب بموازين وقيم إيمانية؛ فلا يعزّ عليهم أن ينتدبوا هم من بينهم أهل البلاء والتقوى والكفاية.. سواء لمجلس الشورى أو للشؤون المحلية. أما الإمارات العامة فيختار لها الإمام – الذي اختارته الأمة بعد ترشيح أهل الحلّ والعقد – أو أهل الشورى – له.. يختار لها من بين مجموعة الرجال المختارين الذين ميّزتْهم الحركة. والحركة دائبة كما قلنا في المجتمع المسلم، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة”[20].

ومن هنا يقول الأستاذ سيد قطب: “إنّ الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته – أو يكتبون – يدخلون في متاهة! ذلك أنّهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدوّنة في فراغ! يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم، بتركيبه العضوي الحاضر! وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر – بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية – فراغًا لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبَّق فيه هذه الأحكام.. إنّ تركيبه العضوي مناقض تمامًا للتركيب العضوي للمجتمع المسلم”[21]. فهذا المجتمع الجاهلي – بخلاف المجتمع المسلم كما وصفناه آنفًا – “مجتمع راكد، قائم على قيم لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالقيم الإيمانية… وهو – من ثم – يُعدّ بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغًا لا يعيش فيه هذا النظام ولا تقوم فيه هذه الأحكام!”[22].

هكذا نفهم كلام الأستاذ سيد قطب الذي توهّم بعض القرّاء موافقته لأطروحة وائل حلاق حول “الدولة المستحيلة”، وهو قوله: “إنّ هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبَّق فيه النظام الإسلامي، ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام.. لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك!” إلى آخر كلامه.

فهذا الكلام يأتي بعد السياق المعروض أعلاه هنا، وبعد فقرات يؤكّد فيه الأستاذ سيد على أسباب حيرة بعض الكتّاب المعاصرين الذين يبحثون عن إجابات وحلول لتطبيق قواعد النظام الإسلامي وتشكيلاته وأحكامه الفقهية في الواقع الجاهلي الحالي[23] الذي لا يقوم فيه المجتمع على قاعدة الإذعان للشريعة، بل تهيمن عليه أنظمة جاهلية وعلاقات جاهلية وقيم جاهلية إلّا من رحم ربّك على مستوى الأفراد.

ولهذا يقول بعد فقرة واحدة من هذه الفقرات: “ومثل قضية التزكية وطلب الإمارة، واختيار الإمام، واختيار أهل الشورى… وما إليها… قضايا كثيرة تثار، ويطرقها الباحثون في الإسلام.. في الفراغ.. في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه.. بتركيبه العضوي المختلف تماما عن التركيب العضوي للمجتمع المسلم.. وبقيمه وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته المختلفة تماما عن قيم المجتمع المسلم وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته”[24].

فمشكلة سيّد قطب هنا ليست مع “دولة حديثة” ولا مع مؤسسات الدولة بذاتها ولا أشكال أنظمتها وقوانينها، بل مع “المجتمع” نفسه، إذ ينبغي للنظام الإسلامي أن تكون له حاضنة من مجتمع مسلم يحقق العبودية لله عزّ وجلّ واقعًا في كل مجالات الحياة، وليس في الاعتقاد القلبي والشعائر فحسب، ومن المستحسن أن يكمل القارئ هذا السياق كاملًا في “الظلال”[25] ليفهم وجهة نظر الأستاذ سيد قطب جيدًا، وهي وجهة نظر قد يتفق معها أو يختلف، ولكنه لا يمكنه أن يُدرجها ضمن وجهات نظر يسارية تكمن مشكلتها مع ما تتصوّره من بنية مصمتة متجاوزة للمضامين والأيديولوجيات للدولة الحديثة، فهذا سياق مختلف لم يتطرق إليه سيد قطب، بل في كلامه – كما سنرى – ما يضادّه.

وقد تناول سيد قطب هذه المسألة في أحد مقالاته من مرحلته الإسلامية الأولى، وهو مقال بعنوان “خذوا الإسلام جملة أو دعوه” المنشور ضمن كتاب “دراسات إسلامية”. والذي يقول فيه:

“لكل نظام من النظم فلسفته وفكرته العامّة عن الحياة، ولكل نظام مشكلاته التي تنشأ من تطبيقه، وقضاياه التي تناسب طبيعته وآثاره في عالم الواقع. ولكل نظام كذلك حلوله التي يواجه بها المشكلات والقضايا الناشئة من طبيعته وطريقته.

وليس من المنطق – كما أنه ليس من الإنصاف – أن تطلب من نظام معيّن حلولًا لمشكلات لم ينشئها هو، وإنما أنشأها نظام آخر، مختلف في طبيعته وطريقته عن ذلك النظام.

والمنطق المعقول ينادي: بأنّ من أراد أن يستفتي نظامًا معيّنًا في حلّ مشكلات الحياة، فليطبّق أولا هذا النظام في واقع الحياة، ثم لينظر إنْ كانت هذه المشكلات ستبرز أو تختفي، أو تتغير طبيعتها ومقوماتها. عندئذٍ فقط، يمكن استفتاء هذا النظام، في مشكلاته التي تقع في أثناء تطبيقه”[26].

ثم يقول مبيّنًا الفرق الجذري بين النظام الإسلامي والأنظمة الغربية والمطبَّقة في العالم العربي والإسلامي:

“والإسلام نظام اجتماعي متكامل، تترابط جوانبه وتتساند، وهو نظام يختلف في طبيعته، وفكرته عن الحياة، ووسائله في تصريفها. يختلف في هذا كله عن النظم الغربية، وعن النظم المطبّقة اليوم عندنا. يختلف اختلافًا كليّا أصيلًا عن هذه النظم. ومن المؤكد؛ أنّه لم يشترك في خلق المشكلات القائمة في المجتمع اليوم، إنما نشأت هذه المشكلات من طبيعة النظم المطبّقة في المجتمع، ومن إبعاد الإسلام عن مجال الحياة”[27].

وفي تتمة المقال يقدم الأطروحة ذاتها التي قدّمها في تتمّة السياق الذي عرضناه أعلاه من تفسير سورة يوسف، وهي ليست مجال اهتمامنا في هذه الدراسة كما قدّمنا. لكن من الواضح جليّا أنّ سيد قطب منذ مرحلته الإسلامية المبكرة (صدر “دراسات إسلامية” عام 1953) كان يحمل هذه الرؤية، وقد ظلّ يحملها في مرحلته المتأخرة، كما يبدو في كتابه “الإسلام ومشكلات الحضارة”[28]. فهي ليست نتيجة حدّة كما يظنّ من يقرأ “الظلال” أو “المعالم” فيظنّ هذه الرؤية التي تفاصل بين المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي وليدة السجون والتعذيب!

    المجتمع الإسلامي والنظام الإسلامي في نظر سيد قطب

بعد أن وضّحنا الفهم الخاطئ لكلام سيّد قطب حول الفرق بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي، سنتناول هنا فقرات مقتبسة من أحد الكتب التي جمعت سلسلة مقالات له تحت عنوان “نحو مجتمع إسلامي”[29]. وهي مقالات كتبها الأستاذ سيد ونشرتها مجلة “المسلمون” ابتداءً من عام 1951، وهي الألصق بهذا الباب ممّا كتب، وقد قال في وصفها: “وفي هذا البحث سنعرض – إن شاء الله – نظم المجتمع الإسلامي وأسسه كما يمكن أن يكون عليه هذا المجتمع في الحاضر القريب، وكما يمكن أن يتطوَّر في المستقبل البعيد. ومن هذا العرض سنتبيّن الإمكانيات الضخمة المتجدّدة لهذا النظام، بغضّ النظر عن الصور التاريخية التي حققها، والتي ليست هي الصور الوحيدة الممكنة، كما يظنّ الكثيرون ممن يجهلون حقيقة الإسلام”[30].

وسيجد القارئ فيها كلامًا يتوّهم بعض القرّاء أنه يشبه كلام رافضي الدولة الحديثة المعاصرين، ولكنه سيجد فيه أيضًا ما يصرف هذا الوهم سريعًا، ويؤكّد اختلاف منطلقات سيد قطب، وأنّه لم يتّخذ التاريخ الإسلامي مرجعًا كما فعل وائل حلاق، ولا شَيطن كل منجزات الدولة الحديثة.

يقول سيد قطب في أحد فصول “نحو مجتمع إسلامي”: “إنّ الصورة أو الصور التاريخية للمجتمع الإسلامي ليست هي الصورة أو الصور النهائية لهذا المجتمع؛ بل إنّ هنالك صورًا متجدّدة أبدًا، يمكن أن تحمل هذا الوصف “إسلامي” وتنبثق من الفكرة الإسلامية الكلية، وتعيش في إطارها العام”[31]. ثم يشرح هذه الفكرة.

ويقول أيضا: “أما فيما يتعلق بالمجتمع وأطواره، فإنّ الصور التاريخية للمجتمع الإسلامي لا تحدّد ولا تستوعب كل الصور الممكنة للمجتمع الإسلامي، ولكلّ جيل أن يبدع نُظمه الاجتماعية في حدود المبادئ الإسلامية، وأن يلبّي حاجات زمانه باجتهادات فقهية قائمة على الأصول الكلية للشريعة، على شرط اتباع مناهج صحيحة في الاجتهاد واتفاق بين جمهرة فقهاء الأمة الإسلامية في كلّ جيل، بحيث لا ندع الأمر فوضى لكل من شاء كيف شاء.

وبتقرير هذه القواعد تصبح السوابق التاريخية في نظم المجتمع الإسلامي – فيما لم يرد فيه نصّ صريح من الشريعة – مجرّد معالم تهدي ومنارات تضيء، وينفسح المجال للانتفاع بالتجارب البشرية في تنظيم المجتمع، مع المحافظة على الخصائص الثابتة في الفكرة الإسلامية الاجتماعية، والسمات التي جاء الإسلام ليحققها في المجتمع الإنساني”[32].

وهو بذلك يوقفنا على مفترق طرق حاسم بينه وبين أطروحة وائل حلاق، التي تنظر إلى الشريعة في صورة تطبيقاتها التاريخية كما بينّا في مطلع هذه الدراسة، والتي ترى في تجربة الدولة الحديثة في تنظيم المجتمع شيئًا لا يمكن أن يتّفق مع الشريعة. وسيوسّع سيد قطب هذه الإشارة حول “الانتفاع بتجارب البشرية في تنظيم المجتمع” في كتاباته التي جاءت بعد ذلك كما سنرى لاحقًا.

ويقول في فصل آخر من الكتاب موضّحًا النشأة الخاصة للمجتمع الإسلامي ونظامه الخاص، والنشأة الخاصة المختلفة للمجتمعات الغربية وأنظمتها الخاصة:

“والعلّة الرئيسية في تفرّد المجتمع الإسلامي بنظامه الخاص هي أنّه مجتمع من صنع شريعة خاصة، جاءت من لدنْ إله؛ فهذه الشريعة التي وُجدت كاملة منذ نشأتها غير مدرجة تدرّجًا تاريخيّا.. هذه الشريعة هي التي أوجدت هذا المجتمع؛ وأقامته على أسسه التي أرادها الله لعباده، لا التي أرادها بعض هؤلاء العباد لبعض، وفي ظلّ هذه الشريعة تم نموّ الجماعة الإسلامية، ووجدتْ ارتباطات العمل والإنتاج والحكم، وقواعد الآداب الفردية والاجتماعية، ومبادئ السلوك، وقوانين التعامل.. وسائر مقومات المجتمع الخاصة، التي تحدد نوعه، وترسم له طريق النموّ والتطوّر.

ذلك على الضدّ من كل النظم الاجتماعية التي عرفتْها أوروبا؛ والتي نشأت نشوءًا ذاتيًّا وفق مقتضيات أرضية، وثمرةً للصراع الداخلي بين الطبقات وللاحتكاك الطبيعي بين علاقات الإنتاج القائمة وطرق الإنتاج المتجدّدة، وللمصالح المتعارضة بين التكتّلات المتنوّعة داخل جسم الجماعة البشرية.. مما يؤثّر في طبيعة القوانين وشكل الحكومات، والأفكار الاجتماعية والأخلاقية السائدة.. إلخ.

ومن ثم كانت جميع الأحكام والقوانين التي تنطبق على نشأة النظم الاجتماعية الغربية وتطوّرها غير منطبقة على المجتمع الإسلامي؛ لاختلاف نشأته عن نشأة تلك النظم، ولاختلاف القاعدة التي ترتكن عليها نشأته، ولاختلاف القانون الذي يحكم نموّه وتطوّره”[33].

وهذا الكلام شبيه جدّا بما قرأناه سابقًا في “الظلال” حول اختلاف المجتمع الإسلامي عن المجتمع الجاهلي، بل هو أكثر تفصيلًا في التضادّ بين النظامين، وهو يوهم أيضًا باعتناق سيد قطب لتلك الرؤية الرافضة للدولة الحديثة ببنيتها مطلقًا. ولكنّك حين تُمعن النظر ترى الرجل يحمل عدة خطوط متصالحة في الآنِ نفسه: عدم الركون إلى الصور التاريخية لتطبيق النظام الإسلامي، والعودة إلى الشريعة لبناء أي مجتمع إسلامي جديد، والانتفاع بتجارب البشرية، ومع هذا كله يقول بالاختلاف الجذري بين المجتمع الإسلامي ونظامه والمجتمعات الغربية وأنظمتها.

فهو يحمل المفاصلة لا بين “الدولة الحديثة” و”الشريعة” كما يقول وائل حلاق ومن تابعه، بل يحدد بالضبط ما الذي يضاد الشريعة وأسس المجتمع الإسلامي من هذه الحداثة، ولا يتورّع عن الانتفاع بمنجزاتها كما سيوضّح في الكتاب نفسه.

وانظر إليه مجدّدًا يقول في فصلٍ تالٍ من الكتاب نفسه عن النظام الإسلامي كلامًا تظنّه كلام هؤلاء الذين يلعنون الدولة الحديثة ويقولون باستحالة تطبيق الشريعة من خلال أدواتها:

“إنّ هذا النظام دقيق في تكوينه ومتكامل في مجموعه، وكل صغيرة وكبيرة فيه متناسقة بعضها مع بعض، وفق القاعدة التي يقوم عليها، وهو من الدقّة بحيث تتغير طبيعته بدخول أي عنصر غريب عن هذه الطبيعة في تركيبه، هو نظام غير قابل للترقيع، غير قابل لأن نستعير له “قطع غيار” من أي نظام وضعي، لأنّ الاعتقاد فيه والعبادة، والسلوك والمعاملة، كلها مترابطة، وكلها متناسقة، وكلها متفاعلة وكلها نابعة من عقيدة واحدة، ذات أهداف مرسومة، وهي تنشئ آثارها الاجتماعية وفق تركيبها الذاتي، فلا تصلح معها آثار اجتماعية أخرى، ناشئة عن فلسفات أو أوضاع أجنبية، مهما تكن في ظاهرها بعيدة عن موضوع العقيدة، كالمسائل الاقتصادية والمالية مثلًا”[34].

فهذا الكلام أشبه شيء بمقولات رافضي إقامة الشريعة من خلال أدوات الدولة الحديثة، ولكنْ عليك أن تكمل القراءة لترى ما سيقوله في الفقرة الثانية مستدركًا لئلا يساء فهمه:

“ومع هذا فإنّ الإسلام لا يُحرّم الانتفاع بالتجارب البشرية في كلّ ما لا يمسّ أصلًا من أصول الشريعة، فلا حرج في الانتفاع بتجارب البشر في تحديد الحاجات الاجتماعية المتجددة وضبطها بوسائل البحث المتجددة، ولا حرج في الانتفاع بتلك التجارب في وسائل تنفيذ المبادئ الإسلامية، إنّ مبادئ الإسلام ثابتة لا تتغير، أما تحقيق هذه المبادئ فمتجدد. ومن ثم نملك الانتفاع بتجارب البشر في هذا المجال وذاك، على ألا نصطدم سواء في تحديد الحاجات الاجتماعية وضبطها أو في وسائل تلبيتها وتحقيقها بمبدأ ثابت في الإسلام، ولا باتجاه أساسي من اتجاهاته الخالدة”[35].

ثم يتحدث يضرب أمثلة على ذلك متحدّثًا أولا عن مبدأ العدل، ومنه العدل في الحكم والتقاضي دون تأثير من مودّة أو شنآن.. إلخ.. ويذكر أنّ وسائل تحقيق هذا العدل في الشريعة غير محدودة، وأن الفقه الإسلامي حدد بعض الوسائل التي رآها مناسبة للعصر الذي نشأ فيه، ثم يقول (وهنا الشاهد):

“وما تزال هذه الوسائل قابلة للتجدد حسب ظروف كل بيئة، وحسب التجارب البشرية النافعة في هذا المجال.. ولنأخذ عدالة التقاضي مثلًا، فهل تراها تتحقق بأن تكون هناك محكمة واحدة أو بدرجات من المحاكم؟ تراها تتحقق بأن يكون للقاضي أو لبعض أنواع القضاة، أو لبعض أنواع المحاكم اختصاص تشريعي أو اختصاص تنفيذي. إلخ.. هذا كله متروك للأصلح من تجارب البشرية، وللآراء المتجددة حسب الظروف المتجددة، في كل مكان وفي كل زمان..

وإنّ الإسلام مثلًا يجعل الشورى أساسًا من أسس الحكم في الدولة الإسلامية.. فأما كيف تتحقق الشورى على الوجه الأمثل فهذا ما لم ينصّ عليه، ولقد وقعتْ في المجتمع الإسلامي على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده في مسألة الخلاف وغيرها ألوان من الشورى، ولكنّ هذا الذي وقع لا يحدد جميع وسائل الشورى، بل إنّ ذلك متروك لِما يجدّ من تطوّرات في جسم المجتمع الإسلامي، وفي ظروفه، ومتروك كذلك لِما يبتكر من وسائل الشورى الناجحة حسب التجارب المتجددة، فهل تتم الشورى على الوجه الأمثل بالتصويت العام – في كل الشؤون أم في بعضها؟ – أم تتم بتصويت أهل الحلّ والعقد من ممثّلي الأمة الذين لا يُختلف عليهم؟ أم تتم بواسطة ممثلية للنقابات والجامعات والطوائف المختلفة؟ وهل تتم بالتصويت الشفهي أم الكتابي؟ وهل تتم بمسؤولية الوزراء أمام الحاكم الأعلى المنتخب أم بمسؤولية أمام الهيئة الممثلة للشعب؟ وهل تتم بمجلس واحد أم بمجلسين؟.. إلخ .. كل ذلك متروك لظروف كل أمة وزمانها ومكانها، وللتجارب البشرية التي تحقق الشورى على الوجه الأمثل.

وهكذا قضايا كثيرة، مما لم يرد فيه نصّ يحدد طريقة التنفيذ ووسيلة التطبيق، مما يحقق المرونة الكاملة للنظام الإسلامي، مع بقائه محكومًا بالشريعة التي تكيف بها نشأته ووجوده”[36].

ومن يقرأ هذا الكلام سيدرك جيّدا أنّ الأستاذ سيّد قطب لم يكن – كما أشرنا في بداية الدراسة – منعزلًا عن تجارب البشرية وأنظمتها السياسية والإدارية، ولم يكن ليرفضها جميعًا. لم يتحدث سيد قطب في أي من كتاباته عن استحالة إقامة الشريعة ضمن دولة حديثة تعيش في هذا العالم الحديث، ولم يجازف في شيطنة كل شيء من أنظمتها، بل أدرك مكامن الخلل الجذري فيها، وأنها راجعة إلى “المشغّلين”: رؤيتهم وأيديولوجيّاتهم وإرادتهم وقدراتهم، وإلى “المجتمعات”: تصوّراتها ومشاعرها وقيمها وعلاقاتها، لا إلى أشكال هذه الدولة وأنظمتها المؤسسية والإدارية والسياسية والاقتصادية بحدّ ذاتها.

وهذا لا يعني أنّه كان يحمل رؤية موافقة لأولئك الإسلاميين الذين يتبنّون الديمقراطية والدولة المدنية ودولة المواطنة وبعض المفاهيم الليبرالية، والذين يقولون إنّ هذه الأنظمة الغربية تتفق مع الرؤية الإسلامية، مع تمييعهم لمعنى حاكمية الشريعة وبعض أحكامها التفصيلية. بل في هذا الكتاب نفسه، وهو في مرحلة مبكّرة من كتاباته الإسلامية، أوضح ضرورة التمسّك بإقامة الشريعة بأحكامها التفصيلية بلا تحرّج، وتحدّث عن حدّ السرقة وحدّ الزنا وارتباطها مع سائر الشرائع بالعقيدة[37].

ويقول في السياق نفسه عن النظام الإسلامي المنشود: “إنّ الحاكمية في هذا النظام الرباني الفريد لله وحده، فلا حاكمية فيه لأمير ولا رعية، فالله وحده هو المشرّع ابتداءً، وعمل البشر هو تطبيق التشريع الإلهي وتنفيذه – وهم حتى فيما يجمعون عليه مما لم يرد فيه نصّ، يظلّون مطبّقين للمبادئ الإسلامية، لا مبدعين ولا مضيفين مبدأ جديدًا لا أصل له في الشريعة، بله أن يكون مخالفًا لأصل من أصولها – وهم في الأحكام التطبيقية والتنفيذية محكومون بالمبادئ الأساسية التي جاءت بها الشريعة، غير مخيّرين في العدول عنها، أي اختيار بعضها دون بعض، أو في تعديلها وتحويرها: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (المائدة: 49).. {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} (المائدة: 44).. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب: 36)”[38].

ونجده في فصل بعنوان “مجتمع عالمي” من الكتاب نفسه يوجّه نقدًا لاذعًا للتوجّهات القومية والوطنية، ويقول: “إنّ فكرة الإسلام هنا تقوم مقام فكرة الوطن في معناها الطيب، الذي لا ينشأ عنه حبّ استغلال رقعة من الأرض لحساب رقعة أخرى، ولا فكرة استغلال طائفة من البشر لحساب طائفة أخرى، وكل ما ينشأ عنها من الشعور بأنّ كل أرض يظلّلها الإسلام هي وطن للجميع، وكل مسلم على ظهر الأرض هو مواطن للمسلمين جميعًا”[39].

فالخلاصة أنّه في دعوته إلى الاستفادة من تجارب البشرية في مجال النظام (كما سنرى بعد قليل أيضًا بتفصيل) لم يكن يقصد أنظمة المواطنة والنزعة القومية والنظام الديمقراطي وما فيه من تشريع البشر بأهوائهم بمعزل عن ضوابط الشريعة، ولم يكن يتحدث عن نظام مفرغ من الشريعة كما يفعل من يتحدثون اليوم عن دولة إسلامية “مدنية” أو “دولة جميع مواطنيها” ويتفنّنون في تسويغ تعطيل الشريعة في الدولة القطرية، بل كان الرجل واضحًا جدّا في رفض هذه النزعات.

سيد قطب والانتفاع بمنجزات الحداثة

لم يستخدم سيد قطب مصطلح “الحداثة”، ولكنه استخدم مصطلحات تقارب معناه، لعل أبرزها “الحضارة الغربية”. وقد كان مدركًا بشكل جيّد – في جميع مراحل كتاباته الإسلامية حتى استشهاده رحمه الله – الفرقَ بين المنجزات المادية والتنظيمية والتقنية لهذه الحضارة الغربية، وبين أفكارها وأيديولوجياتها وأصولها الفلسفية والقيمية التي تقوم عليها.

نجده مثلًا، في آخر ما صدر في حياته، وهو كتاب “معالم في الطريق” الذي يعتبر أحد أهم كتبه، يتحدث في المقدمة عن انتهاء الديمقراطية إلى “ما يشبه الإفلاس”، مع رفضه بطبيعة الحال للنظام الاشتراكي وكثرة نقده له[40]. ويقول عن “الوطنية” و”القومية” والتجمعات الإقليمية عامة إنّها أدّت دورها خلال هذه القرون، ولم تعد تملك هي الأخرى رصيدًا جديدًا. مع ذكره لفشل الأنظمة الفردية والأنظمة الجماعية[41]. فهو كما نرى هنا لا ينقد بنية الدولة الحديثة، بل ينقد مضامينها المبنية على الفلسفات والأيديولوجيات الغربية المنقطعة عن الوحي، كالشيوعية والاشتراكية والرأسمالية والديمقراطية والوطنية والقومية.

إنّ الذي يرفضه سيد قطب بوضوح في هذه الحضارة الغربية أو “الجاهلية” كما يسمّيها هو ما ذكره في هذه الفقرات من “معالم في الطريق”:

“إنّ العالم يعيش اليوم كله في “جاهلية” من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئًا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق!

هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخصّ خصائص الألوهية.. وهي الحاكمية.. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعضٍ أربابًا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتْها الجاهلية الأولى، ولكنْ في صورة ادعاء حقّ وضع التصوّرات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله.. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده.. وما مهانة “الإنسان” عامّة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم “الأفراد” والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم “الرأسمالية” إلّا أثرًا من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكرامة التي قررها الله للإنسان.

وفي هذا يتفرّد المنهج الإسلامي.. فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي، يعبد بعضهم بعضًا – في صورة من الصور – وفي المنهج الإسلامي وحده يتحرر الناس جميعًا من عبادة بعضهم لبعض، بعبادة الله وحده، والتلقّي من الله وحده، والخضوع لله وحده.

وهذا هو مفترق الطريق.. وهذا كذلك هو التصور الجديد الذي نملك إعطاءه للبشرية – هو وسائر ما يترتب عليه من آثار عميقة في الحياة البشرية الواقعية – وهذا هو الرصيد الذي لا تملكه البشرية، لأنّه ليس من “منتجات” الحضارة الغربية، وليس من منتجات العبقرية الأوروبية! شرقيةً كانت أو غربية”[42].

هذه هي قضية الرجل إذن، وليست قضية شكل الدولة الحديثة أو بنيتها، فهو يحمل قناعة – كما رأينا وسنرى – بإمكان الاستفادة من منجزات هذه الحداثة في مستوى الأنظمة السياسية والإدارية وغير ذلك، وبإمكان التعديل على أنظمة هذه الحضارة كما سنرى.

ولذلك صبّ سيد قطب تركيزه على “المجتمع”، وفاصَل بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي، لأنّه يدرك أنّ هذا المجتمع بمفهومه الواسع هو الذي سيقوم عليه النظام الإسلامي، وهو القادر على حماية هذا النظام والدفع به إلى التطبيق في الواقع. إنّ المشكلة التي كان يعالجها حين تحدّث عن “التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي” تتمثّل في أنّ أي انخراط في هذا المجتمع على مستوى الأفراد المسلمين لن يؤدي إلى تغييره، مهما بذل هؤلاء “الأفراد” من النظريات والاقتراحات والعمل داخل هذا المجتمع. ولذلك يقول بعد تقريره لقاعدة لا إله إلا الله ومقتضياتها في الواقع:

“ولكن الإسلام – كما قلنا – لم يكن يملك أن يتمثّل في “نظرية” مجرّدة، يعتنقها من يعتنقها اعتقادًا ويزاولها عبادةً، ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا. فإنّ وجودهم على هذا النحو – مهما كثر عددهم – لا يمكن أن يؤدي إلى “وجود فعلي” للإسلام، لأنّ الأفراد “المسلمين نظريّا” الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلّون مضطرّين حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية.. سيتحرّكون – طوعًا أو كرهًا، بوعي أو بغير وعي – لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأنّ الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكلّ أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا.. أي أنّ الأفراد “المسلمين نظريّا” سيظلّون يقومون “فعلًا” بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون “نظريّا” لإزالته، وسيظلّون خلايا حيّة في كيانه تمدّه بعناصر البقاء والامتداد! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا بها ويقوى، وذلك بدلًا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي!

ومن ثمّ لم يكن بدّ في أن تتمثّل القاعدة النظرية للإسلام (أي العقيدة) في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى.. لم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه…”[43].

فهو يؤصّل هنا لضرورة العمل الجماعي الحركي في الإسلام، فالأنظمة العلمانية الحالية وما تؤسسه من مجتمعات علمانية لا يمكن أن تتغير بوجود أفراد مسلمين لا يجمعهم إطار مجتمعي مندفع للتغيير بشتى الوسائل، وقائم – قبل ذلك – على مرجعية عقائدية وقيمية وتشريعية مختلفة تماما الاختلاف عن المرجعية التي يقوم عليها النظام العلماني. ووجودُ الأفراد المسلمين في تلك الأنظمة والمجتمعات مع عملهم الدعوي الفردي لا يكفي لتغييرها.

ولو أردنا تصوُّر مقتضى كلامه هذا وكيف ينصهر الأفراد في المجتمع الجاهلي فلنتصوّر نظاما علمانيّا في بلد عربي، هذا النظام له قيادة تعتنق بوضوح توجّهًا علمانيّا تغريبيّا، يبثّ المفاهيم العلمانية في المجتمع عبر مؤسسات التعليم والإعلام، ويحارب الدعاة إلى الله ويزّجهم في السجون، ويطبّق الشرائع المبنية على الأهواء، ويتعاطى بالربا ويبيح ما حرّمه الله في المجتمع، ويدخل في تبعية فكرية وقيمية وسياسية واقتصادية لنظام غربي مهيمن.

ومن هنا، يكون الانخراط في هذا النظام والمجتمع على مستوى معلّم في مدرسة مثلًا، أو إمام مسجد، أو مربّ، أو محفّظ قرآن، أو داعية أو غير ذلك من المهام الفردية غير كافٍ لتغيير هذا النظام العلماني الذي يجرف الأمة وقيمَها، مهما كان هؤلاء الأفراد على مستوًى عالٍ من التديّن الفردي والأخلاق الراقية، ومهما بذلوا – على المستوى الفردي – من بثٍّ للقيم الإسلامية في المجتمع. فسيظلّ وجودهم ضمن بنية هذا المجتمع والنظام يؤدّون وظائف معيّنة فيه، داعمًا لهذا التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي بتعبير سيد قطب، لأنّهم تروس صغيرة منتظمة ضمن تروسه الكبيرة. وهذا لا يعني ضرورة اعتزال المجتمع والذهاب إلى أماكن نائية لبناء مجتمعات جديدة كما فهمت بعض تيارات الغلوّ لاحقًا. فالأستاذ سيد نفسه لم يكن حتى آخر لحظة في حياته ممارسًا لهذه العزلة المادية ولا داعيًا إليها، بل دعا إلى “عزلة شعورية” تستعلي على المفاهيم الجاهلية الشائعة، ويستمدّ المسلم خلالها قيمَه وتصوراته وموازينه من الإسلام لا من الجاهلية[44].

لقد كان سيد قطب يدرك أنّ أي تغيير للنظام وللقاعدة التشريعية والقيمية التي تحكم المجتمع وعلاقاته وتصوغه في الوقت نفسه؛ يجب أن يكون منطلقًا من “تجمّع حركي” يحمل قاعدة الإسلام التوحيدية وما ينبثق عنها من عقائد وشرائع، ويدافع بها – بمختلف الوسائل – النظامَ الجاهلي القائم ليحلّ مكانه ويتصدّر مركز التوجيه للمجتمع. فأنت ترى أنّه في هذا السياق كله لم يكن يتحدّث عن معيقات تتعلّق ببنية الدولة، بل عن انحراف المجتمع الجاهلي والنظام الجاهلي عن قاعدة الإسلام الأولى، وهي إفراد الله بالعبادة الذي يتضمّن الإذعان لشريعته في كل مجالات الحياة، وبناء القيم والتصورات والموازين على أساس الإسلام.

وقد كان سيد قطب يدرك – كما يقول – “أنّ التشريع لا ينحصر في الأحكام القانونية – كما هو المفهوم الضيّق في الأذهان اليوم لكلمة الشريعة – فالتصورات والمناهج، والقيم والموازين، والعادات والتقاليد… كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه”[45]. وهذا يؤكّد أنّ مشكلته لم تكن مع بنية دولة فحسب، بقدر ما كانت مع بناء اجتماعي يشمل الدولة وتشريعاتها وتوجيهاتها، ويشمل أيضًا المجتمع وتصوراته ومشاعره وقيمه.

بل كان واعيًا جدّا على إشكالية “الأداتية الإجرائية” في بنية الدولة الغربية الحديثة، فيقول في كتابه “في ظلال القرآن”:

“فليست الزكاة مجرّد ضريبة مالية، إنما هي كذلك عبادة. أو هي عبادة مالية. وهذه هي ميزة المنهج الإسلامي، الذي يحقق أهدافًا شتى بالفريضة الواحدة. وليس كذلك الأنظمة الأرضية التي تحقق هدفًا وتفرّط في أهداف..

إنه لا يُغني في إصلاح حال المجتمع أن يأخذ المجتمع المال ضريبةً (مدنية!) أو أن يأخذ المال من الأغنياء للفقراء باسم الدولة، أو باسم الشعب، أو باسم جهةٍ أرضيةٍ ما.. فهي في صورتها هذه قد تحقّق هدفًا واحدًا؛ وهو إيصال المال للمحتاجين..

فأما الزكاة.. فتعني اسمها ومدلولها.. إنها قبل كل شيء طهارة ونماء.. إنها زكاة للضمير بكونها عبادة لله. وبالشعور الطيب المصاحب لها تجاه الإخوان الفقراء، بما أنها عبادة لله يرجو عليها فاعلها حسن الجزاء في الآخرة، كما يرجو منها نماء المال في الحياة الدنيا بالبركة وبالنظام الاقتصادي المبارك. ثم بالشعور الطيب في نفوس الفقراء الآخذين أنفسهم؛ إذ يشعرون أنها فضل الله عليهم إذ قررها لهم في أموال الأغنياء؛ ولا يشعرون معها بالحقد والتشفّي من إخوانهم الأغنياء (مع تذكر أن الأغنياء في النظام الإسلامي لا يكسبون إلا من حلال ولا يجورون على حق أحد وهم يجمعون نصيبهم من المال).. وفي النهاية تحقق هدف الضريبة المالية في هذا الجوّ الراضي الخيّر الطيّب.. جوّ الزكاة والطهارة والنماء”[46].

فهو كما نرى ينقد خلوّ نظام الدولة العلمانية الغربية من البُعد الأخلاقي، ويبيّن ما يضيفه الإسلام. لكن هذا لا يعني رفضه للوسائل الإجرائية في هذا النظام الحديث (ضريبة مالية تفرضها الدولة)، بل يشير إلى ما يضيفه الإسلام من بُعد إيماني أخلاقي غائب.

وانظر إليه يقول في سياق حديثه عن أصحاب السبت واحتيالهم على الشريعة في الصيد، في كتابه “في ظلال القرآن”:

“إنّ القانون لا تحرسه نصوصه، ولا يحميه حرّاسه. إنما تحرسه القلوب التقية التي تستقرّ تقوى الله فيها وخشيته، فتحرس هي القانون وتحميه. وما من قانون تُمكن حمايته أن يحتال الناس عليه! ما من قانون تحرسه القوة المادية والحراسة الظاهرية! ولن تستطيع الدولة – كائنا ما كان الإرهاب فيها – أن تضع على رأس كل فرد حارسًا يلاحقه لتنفيذ القانون وصيانته؛ ما لم تكن خشية الله في قلوب الناس، ومراقبتهم له في السرّ والعلن..

من أجل ذلك تفشل الأنظمة والأوضاع التي لا تقوم على حراسة القلوب التقية. وتفشل النظريات والمذاهب التي يضعها البشر للبشر ولا سلطانَ فيها من الله.. ومن أجل ذلك تعجز الأجهزة البشرية التي تقيمها الدول لحراسة القوانين وتنفيذها. وتعجز الملاحقة والمراقبة التي تتابع الأمور من سطوحها!”[47].

فهو لا يدعو إلى هدم هذه الأنظمة والقوانين وأجهزة الدولة، بل يرى أنها عاجزة وقاصرة لأنها منقطعة عن المنهج الإلهي الذي يربطها بالله، إذ التشريعات فيها من وضع البشر وغير موصولة بالشريعة، وحين تبنى هذه التشريعات على الشريعة وتتصل بالله؛ تحقّق عاملًا أساسيّا في زجر الناس عن انتهاك القانون وارتكاب الجرائم والجنايات والتجاوزات، وهو عامل الخشية من رقابة الله سبحانه، مع الدافع الإيماني الأخلاقي للالتزام بالواجبات أو المندوبات والانتهاء عن المحرّمات أو المكروهات. وهذا هو معنى “حاكمية الشريعة” عند سيد قطب، فهي ليست حاكمية بشر يحكمون بأهوائهم باسم الله كما هو الحال في النظام الثيوقراطي، بل تحقيق حاكمية الشريعة التي فرضها الله على عباده.

ولكنّا نتساءل أخيرًا: إلى أي مدى يقبل سيد قطب منجزات الحضارة الغربية أو “الحداثة”؟

يجيب سيد قطب عن هذا الأمر بأوضح ما يكون، إلى جانب ما قدّمناه ممّا ذكره في كتاب “نحو مجتمع إسلامي”، وذلك في كتاب متأخر إلى حدّ ما، وهو كتاب “الإسلام ومشكلات الحضارة”، حيث يقول بدايةً:

“ومنهجنا لا يجد نفسه – بعد ذلك – في مشكلة أمام الصناعة والحضارة الصناعية.

إنّ هذا المنهج لا يرفض الحضارة الصناعية ولا يجفل منها، ولا يتنكّر لها.. إنّها – ابتداءً – وليدة اتجاهه المبكّر إلى “العلم التجريبي”، هذا الاتجاه الذي انتقل إلى أوروبا عن طريق جامعات الأندلس وعلم المشرق – كما يقرر بريفولت ودوهرنج وجِب وغيرهم ممن لا يملكون إنكار الحقائق التاريخية”[48].

أما في تحديده ما سيرفضه من الحضارة الغربية فإنّه يحدّد بوضوح أنّه يرفض ما قامت عليه الحضارة من مذاهب ونظريات وفلسفات، فيقول:

“إنما الذي يرفضه منهجنا ويشتدّ في رفضه، من هذه الحضارة، هو شيء آخر غير الأساس العلمي التجريبي الذي تقوم عليه..

إنه سيرفض المذهب المادي “الوضعي أو الحسي” الذي يجعل المادة هي الوجود – ولا شيء غير المادة – وقد تحطّمت هذه النظرية “علميّا” أو تكاد والحمد لله. والذي يجعل “الإنسان” تابعًا للمادة يتلقّى منها فقط، ويتكوّن من انطباعاتها – وحدها – عقله وتفكيره وتصوراته، كما يتكوّن جسمه سواء، مع اعتباره سلبيّا تجاه المادة سلبيةً مطلقة (كوت وزملاؤه).. والذي يجعل تطورات التاريخ في معزل عن إيجابية الإنسان، ويردها فقط إلى أدوات الإنتاج (كارل ماركس وزملاؤه).

كما سيرفض كذلك النظرة الحيوانية للإنسان التي أطلقها “داروين” والنظرة القذرة إلى دوافع الإنسان، وحصرها في وحل الجنس كما يزعم “فرويد” وهو يدرس “الشواذ” ويجعلهم هم “الإنسان”..

كذلك سيرفض منهجنا ما ترتب على هذه النظرات كلها من إقامة الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وإقامة نظام العمل وطرائقه على أساس إهدار آدمية الإنسان، وخصائصه الإنسانية العامة أولا، وخصائصه الذاتية الفردية ثانيا، وخصائص جنسَيْه المتميزين ثالثًا، واعتباره ترسًا في الآلة، أو بهيمة في القطيع. والاهتمام بمضاعفة الإنتاج، وبتوفير وسائل إشباع الضرورات الجسدية – فحسب – مع إهدار أشواق الإنسان وحاجاته الأخرى في نظام الحضارة (كما يقرّر الدكتور كاريل) من حبه للجمال والفن ونشاطه الأدبي والديني.. (غير أنّ تصوّر منهجنا للنشاط الديني لن يكون في تلك الحدود الضيقة التي لا يعرف الدكتور كاريل سواها. بل سيكون معناه – كما قلنا – أن يكون الدين هو منهج الحياة الكلي، الذي تتحرك في إطاره، وتنمو بكل أنواع النشاط الإنساني. ومنه العمل والإنتاج والسياسة والاقتصاد، والخلق والسلوك، والصلاة والدعاء، والاتصال بالملأ الأعلى والاتصال بالآلة والإنتاج سواء)”[49].

وهو مع ذلك يقول بإمكانية “تعديل” أوضاع هذه الحضارة:

“وسيستدعي هذا تعديلًا في طرق الإنتاج الفنية بحيث توائم بين الرغبة في مضاعفة الإنتاج والإبقاء على خصائص “الإنسان” العامة، وخصائص الفرد الذاتية. وتعديل أوضاع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث توائم كذلك بين استقرار الحياة وتوازنها، والإبقاء على الخصائص “الإنسانية” و”الفردية” مع الإبقاء – كذلك – على خصائص “الجنسين” من ذكر وأنثى”[50].

وهذا الكلام يؤكّد أنّ مشكلته الجذرية هي مع الأساس العقائدي والقيمي والأخلاقي الذي قامت عليه تلك الأوضاع، وليس مع بنية هذه الأوضاع في نظام الدولة. ولهذا نجده لا يرفض مؤسسات الحضارة الغربية الاقتصادية، لكنه يرفض الأساس الربوي الذي تقوم عليه، يقول:

“ومنهجنا لن يجد نفسه في مشكلة أمام مؤسسات الحضارة الاقتصادية التي يقوم بناء الحضارة الصناعية عليها لشتى مرافق الحياة.. (وإن كنت لا أحب أن أدخل في تفصيلات فقهية في هذا الموضوع.. للأسباب التي سأبديها في الفصل التالي).

ولكنه سيرفض حتمًا الأساس الربوي الذي يقوم عليه معظم هذه المؤسسات. سيطهّرها من هذا الرجس، ويخرج منها دود العلق، الذي يمتصّ دماء الملايين. ولن يسمح بنظام يجعل حصيلة كدّ البشرية في جميع أنحاء الأرض: من عمال وصنّاع وتجار ومديري مصانع وأصحاب أرض وعمائر وصناعات.. كله.. يرجع إلى بضعة آلاف من مؤسسي البيوت المالية وبنوك الإقراض في العالم، فهؤلاء هم الذين تكدّ البشرية كلها لتؤدي لهم “فوائد” أموالهم المتداولة في أنحاء العالم. وهؤلاء هم الذين يوجّهون الاستثمار – مباشرة أم غير مباشرة – إلى المشروعات الأكثر ربحًا – للوفاء بفوائد الأموال – وهي التي تحطم خصائص البشرية وأخلاقها ومقوماتها في الغالب. وهؤلاء هم الذين يسببون الأزمات الدورية المعروفة في النظام الرأسمالي”[51]. ثم يقول بعد كلام: “أما المؤسسات الاقتصادية، فلا ذنب لها في ذاتها، ولا ضرر منها إذا اختفى هذا العنصر الخبيث”[52].

ويؤكد مجددًا أنّ تعديل هذه الانحرافات الجذرية في بنية النظام أمر ممكن، فيقول: “وتعديل طرائق الإنتاج ليس شيئًا مستحيلًا. فالكفر الإنساني الذي أنشأ هذه الطرائق في ظل أنظمة رأسمالية ربوية – أو مادية مذلة للإنسان بصفة عامة – يملك أن ينشئ طرائق أخرى، تجمع بين الغايتين كما أسلفنا.. متى رفع عنه كابوس التصورات المذلة للإنسان، وسياط الفوائد الربوية التي تسوق الاستثمار والإنتاج في كل مكان”[53].

ويقول أخيرًا في الفصل الأخير من الكتاب، معبّرا عن الصورة الإجمالية للمجتمع الإسلامي كما يراه:

“إنّ كل ما يمكن قوله إجمالًا عن المجتمع الإسلامي.. أنّه ليس صورة تاريخية محددة الحجم والشكل والوضع.. وأننا في العصر الحديث لا نستهدف إقامة مجتمع من هذا الطراز، من حيث الحجم والشكل والوضع، إنما نستهدف إقامة مجتمع مكافئ من النواحي الحضارية المادية – على الأقل – للمجتمع الحاضر. وفي الوقت ذاته له روح ووجهة وحقيقة المجتمع الإسلامي الأول، الذي أنشأه المنهج الرباني. باعتباره قمة سامقة في روحه ووجهته وحقيقته الإيمانية وتصوره للحياة، ولغاية الوجود الإنساني، ولمركز الإنسان في هذا الكون، ولخصائصه وحقوقه وواجباته. وقمة سامقة في تناسقه وتماسكه.. أما الشكل والصورة والأوضاع فتتحدد وتتجدد بتطور الزمن، وبروز الحاجات، واختلاف أوجه النشاط الواقعي… إلى آخر الملابسات.. الملابسات المتغيرة المتحركة.. ولكن التي ينبغي أن يكون تحركها – في المجتمع الإسلامي – داخل إطار المنهج الإسلامي، وحول محوره الثابت، وعلى أساس الإقرار بألوهية الله وحده، وإفراد الله سبحانه بخصائص الألوهية دون شريك، وأولى هذه الخصائص هي حق الحاكمية والتشريع للعباد، وتطويعهم لهذا التشريع.

ومن ثم فإنه ليس “الفقه” الإسلامي هو الذي نتقيد به في إنشاء هذا المجتمع – وإن كنا نستأنس به – إنما هو “الشريعة” الإسلامية والمنهج الإسلامي، والتصور الإسلامي العام”[54].

****

    خاتمة وخلاصة:

وفي الختام أود أن أقول إنّ هناك صورة مشوّهة عن الأستاذ سيد قطب رحمه الله، ساهم في رسمها إعلام مشَيطِن، وعاونه عليها محبّون ساذجون مع الأسف، وهي صورة منظّر تيارات الغلو والتكفير، المنفصلة عن العالم وما يجري فيه من تطوّرات، التي تريد إرجاعنا إلى صور تاريخية لتطبيق الشريعة، والتي تريد إحداث مفاصلة كاملة مع منجزات الحضارة الغربية. إنّ هذه الصورة غير حقيقية كما رأينا.

ومن جهة أخرى، وهذا هو صلب الدراسة، لم يكن سيد قطب يحمل تلك الرؤية التي تشيع الآن في أوساط أكاديميين ودعاة إسلاميين على السواء، والتي ترى استحالة إقامة الشريعة ضمن بنية الدولة الحديثة، بحجة تناقُض أسس هذه البنية مع طبيعة الشريعة. بل كان يحمل رؤية “واقعية” إلى حدّ كبير، يرفض فيها الأسس العقائدية والقيمية التي قامت عليها أنظمة الحضارة الغربية، مع الاستفادة من منجزاتها المادية والتنظيمية القابلة للتعديل والتغيير.

بكلمات أخرى: إذا كان وائل حلاق في أطروحته “بنيويّا متشائمًا” يرى استحالة أي تعديل في بنية الدولة الحديثة، فإنّ سيد قطب في أطروحته “حركي واقعي” يرى إمكان التعديل والتغيير، مع وعيه العميق بأسس الفساد في النظام الجاهلي المعاصر.

لقد شخّص حلاق المشكلة في “البنية الإدارية”، حيث تغدو آليات الدولة الحديثة (كالسيادة والبيروقراطية والقانون الوضعي) هي المشكلة في حدّ ذاتها، وهي كتلة مصمتة تتعارض مع الشريعة. وهنا يغفل حلاق بأنّ تلك البنى ليست كيانات جبرية، بل أدوات يمكن تغييرها أو إعادة صياغتها. في المقابل، شخّص سيد قطب المشكلة في “القاعدة” التي يبنى عليها النظام الجاهلي، أو في الفلسفة والقيم والأيديولوجيات التي تحكم هذا النظام: هل الحاكمية للبشر أم لله؟ هل الولاء للمؤمنين أم للوطن والقومية؟ هل القيم نسبية أم ثابتة؟ وهو في ذلك يذهب إلى جذر الأزمة في الأنظمة الجاهلية المعاصرة، بدلا من الوقوف على البنى الإدارية والمؤسسات.

وهذا لا يعني القول بأنّ حلاق أغفل هذه الجذور الفلسفية والقيمية، ولكنه ركّز بشكل كبير على البنى الإدارية، وأسبل عليها صفات حتمية، فباتت هي محور أطروحته، دون أن يلحظ بأنّ ارتباطها بالجذور الفلسفية والقيمية العلمانية يجعل تغيير هذه الجذور دافعًا قويّا لتغيير البنى عند وجود المجتمع الحامل للرسالة الأخلاقية التي هي الإسلام. بكلمات أخرى: كان حلاق يرى بأنّ الأزمة تكمن في “المعدات” (Hardware)، فلا يمكننا تشغيل “برنامج” الشريعة الأخلاقي على عتاد الدولة الحديثة، فالعتاد مصمّم بنيويّا لرفض هذا النوع من البرامج. بينما رأى سيد قطب أنّ الأزمة تكمن في “نظام التشغيل” (Operating System) الذي يحتاج إلى “فورمات” وتثبيت نظام تشغيل جديد هو الإسلام.

وفي الوقت الذي كان مفتاح التغيير عند سيد قطب هو المجتمع الذي يحمل رسالة الإسلام بكامل شحنتها ويذعن للشريعة وموازينها القيمية الإيمانية، والذي أثبت تاريخيّا أنه قادر على إحداث تغيير جذري في بنى إمبراطوريات كبيرة كفارس والروم؛ فإنّ حلاق يضع قارئه في حلقة مفرغة، وينشد انبعاثًا أخلاقيّا و”إعادة صياغة مبدعة” غير واضحة المعالم وبلا آليات، بعد أن أَوْدع النموذج الإسلامي في التاريخ، ووضعه في مناقضة تامّة غير قابلة للتعديل مع البنى الحداثية، مما جعل طرحه تشاؤميّا إلى حدّ كبير.

لقد كان حلاق أسيرًا للأدوات التحليلية التي استعارها من مفكّرين غربيين، تلك الأدوات التي جعلت السلطة تبدو في حسّه بنى قاهرة، ولم تقدّم له في الوقت ذاته خارطة لمخرج واقعي واضح من داخل المنظومة الإسلامية الأخلاقية التي أُعجب بها. في حين أنّ سيد قطب انطلق من داخل المنظومة الإسلامية وأرضيتها الإيمانية والفكرية والقيمية، التي ترفض الحتمية الجبرية، وتتمتّع بأدوات أصولية قادرة على مواكبة كل واقع بشري والتعامل معه بمرونة تحكمها مرجعية ثابتة، أو بـ “مثالية واقعية” على حدّ تعبيره.

وفي النهاية، أحيل القارئ الكريم إلى مقالات سابقة كتبتها، للتفصيل بشكل أكبر في إشكاليات هذا التيار الناقد للدولة الحديثة، ولبيان طبيعة العلاقة بين الشريعة والدولة الحديثة، من جهات نظر مختلفة. وأرجو قراءتها بالترتيب: “الحكم الإسلامي والدولة الحديثة: بين الاتفاق والاختلاف و“الدولة الحديثة بين فقه الواقع والتنظير الأكاديمي”و“الحداثة الإسلامية: من أبي حامد الغزالي إلى أورانكزيب عالمكير”. فسوف تجلّي قراءة هذه المقالات الثلاثة الصورة للقارئ، إلى جانب هذه الدراسة، وتوضّح مكمن الخلل في أطروحة وائل حلاق ومن تابعه من الإسلاميين. والله الموفق.

19 ربيع الآخر 1447

شريف محمد جابر

إسطنبول


[1] وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة: عمرو عثمان (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، 19.

[2] سيد قطب، في ظلال القرآن (القاهرة: دار الشروق، 2003)، 2: 825.

[3] المصدر السابق، 6: 3855.

[4] المصدر السابق، 1: 231.

[5] انظر: حلاق، الدولة المستحيلة، 20-21.

[6] انظر: المصدر السابق، 22-23.

[7] المصدر السابق، 26.

[8] المصدر السابق، 23.

[9] المصدر السابق، 23.

[10] المصدر السابق، 30.

[11] المصدر السابق، 32.

[12] المصدر السابق، 38.

[13] قطب، في ظلال القرآن، 4: 2009-2010.

[14] المصدر السابق، 4: 2006.

[15] المصدر السابق، 4: 2006.

[16] المصدر السابق، 4: 2007.

[17] المصدر السابق، 4: 2007.

[18] المصدر السابق، 4: 2008.

[19] المصدر السابق، 4: 2008.

[20] المصدر السابق، 4: 2008-2009.

[21] المصدر السابق، 4: 2009.

[22] المصدر السابق، 4: 2009.

[23] انظر: المصدر السابق، 4: 2009.

[24] المصدر السابق، 4: 2010.

[25] يرجى إكمال السياق من: المصدر السابق، 4: 2010-2013.

[26] سيد قطب، دراسات إسلامية (القاهرة: دار الشروق، 2006)، 86.

[27] المصدر السابق، 86-87.

[28] انظر: سيد قطب، الإسلام ومشكلات الحضارة (القاهرة: دار الشروق، 2005)، 190-198.

[29] كان سيد قطب يعدّ كتابا كبيرا بهذا العنوان “نحو مجتمع إسلامي” من المرجَّح أنه أوسع من هذا الكتيب، فقد أشار إليه في كتاب “الإسلام ومشكلات الحضارة” وقال عنه: “وفي حدود جهدي الخاص: لقد أعددت لهذا بحثًا ضخمًا مفصّلا تحت عنوان: “نحو مجتمع إسلامي” وبحثًا آخر “عن خصائص التصور الإسلامي ومقوماته” وكلاهما يكمل الآخر في هذا المجال”. ويبدو أن هذا الكتاب قد فُقد من بين ما فُقد من كتاباته. انظر: قطب، الإسلام ومشكلات الحضارة، 190.

[30] سيد قطب، نحو مجتمع إسلامي (القاهرة: دار الشروق، 1993)، 45.

[31] المصدر السابق، 47.

[32] المصدر السابق، 53.

[33] المصدر السابق، 63-64. ويستحسن قراءة الفصل السابق لهذا الفصل لفهم تفريق سيد قطب بين “الشريعة” و”الفقه”.

[34] المصدر السابق، 138-139.

[35] المصدر السابق، 139.

[36] المصدر السابق، 140-141.

[37] المصدر السابق، 149.

[38] المصدر السابق، 150.

[39] المصدر السابق، 97.

[40] سيد قطب، معالم في الطريق (القاهرة: دار الشروق، 1979)، 3.

[41] المصدر السابق، 4-5.

[42] المصدر السابق، 8-9.

[43] المصدر السابق، 49-50.

[44] انظر لتفصيل معنى “العزلة الشعورية”: قطب، معالم في الطريق، 16-19.

[45] المصدر السابق، 108.

[46] قطب، في ظلال القرآن، 2: 921.

[47] المصدر السابق، 3: 1384.

[48] قطب، الإسلام ومشكلات الحضارة، 178.

[49] المصدر السابق، 179-180.

[50] المصدر السابق، 180.

[51] المصدر السابق، 182-183.

[52] المصدر السابق، 183.

[53] المصدر السابق، 184.

[54] المصدر السابق، 192-193.