.
16 كانون الأول/ديسمبر 2025، 1:00 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة

قصر دو ميدي في بروكسل، مع مواد البناء خارجه.
حقوق الصورة… يان شتايغر لصحيفة نيويورك تايمز
https://www.nytimes.com/2025/12/16/opinion/europe-decline-economy-china.html?smid=nytcore-ios-share
بقلم أنتون ياغر
السيد ياغر كاتب رأي مساهم ومحاضر في السياسة بجامعة أكسفورد. كتب من بروكسل.
من بين الكتّاب الأوروبيين المعاصرين، لا يُعرف الروائي ميشيل ويلبك بتفاؤله. ففي أعماله الممتدة على ثلاثة عقود، كان الموضوع الرئيس هو حتمية التدهور البشري، من جودة الإباحية على الإنترنت إلى الحضارة الأوروبية نفسها. “لقد تخلّت فرنسا عن التقدم”، كتب عام 2014. “نحن جميعاً ليس فقط سياحاً في بلادنا، بل أيضاً مشاركون راغبون في السياحة.”
اليوم، تبدو تعليقات السيد ويلبك نبوءة قاتمة. فقد تلاشى النمو الاقتصادي عبر القارة، الذي طالما كان واهناً، حتى كاد ينعدم، حتى إن العملاق الصناعي الألماني يعاني ركوداً. اختفى الديناميكية وحلت محلها تبعيات مؤلمة: تأتي تكنولوجيا أوروبا من أميركا، ومعادنها الحيوية من الصين. ولم تعد تحوّل القارة إلى ملعب قاحل للسياح، مع اقتصادات مُسخَّرة لخدمتهم، مجرد تكهّنات سوداوية.
من المهم ألا يُساء توصيف هذا التطور. فالشكاوى من فشل الاتحاد الأوروبي في إنتاج وادي سيليكون خاص به والمقارنات بين الناتج المحلي الإجمالي مع بلد يزيد سكانه على مليار ليست أدلة عادلة على الانحدار. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن أوروبا قد “أُقلمت”، كما وصفها الفيلسوف الألماني هانس-غيورغ غادامر. وتُظهر المفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا أن الكتلة قد تراجعت تدريجياً إلى مشارك من الدرجة الثانية في الشؤون العالمية. وفي نظر الرئيس ترامب، إنها “آخذة في التحلل” ومهددة بـ“المحو الحضاري”.
كل ذلك يبدو مخيفاً بما يكفي للأوروبيين. ومع ذلك ربما لا يكون التراجع صادماً بالضرورة. بل إن مواجهة الانحدار الأوروبي — الثقافي والسياسي وقبل كل شيء الاقتصادي — قد تفضي إلى مقاربة متواضعة صحية للحاضر. بعد قرن كانت فيه أوروبا صاحبة القيادة، وبنتائج شديدة الالتباس، قد يحرر هذا الأوروبيين من عصاب إثقالهم بعبء السيطرة.
على الأقل، لم تعد بروكسل تعاني من الإنكار؛ فثمة وعي عبر الطيف بأن القارة تتخلف. وجاء اعتراف نموذجي العام الماضي من رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراغي. ففي تقرير هادئ لكنه لاذع، عدّد السيد دراغي — المنسوب إليه على نطاق واسع إنقاذ اليورو بعد الأزمة المالية — أوجاع الاقتصاد الأوروبي، من نقص ما يسمى القدرة التنافسية إلى تراجع الإنتاجية.
ومع ذلك، فإن كثيراً من العلاجات المتداولة اليوم مرشحة لتفاقم الداء الذي تزعم أنها تعالجه. فاليمن المتطرف يقدم وصفة مألوفة: طوقاً عرقياً حول القارة. أما مركز أوروبا، فيشير بشكل مبهم إلى استراتيجية تجديد عبر إعادة التسلح والتقدم التكنولوجي. ومن جهتها، إما أن تصبّ اليسار جام غضبه على تجاوزات أوروبا أو ترحّب بتراجع القارة. ما يلزم هو “سياسة للانحدار” جديدة، لاستعارة عبارة من المؤرخ إريك هوبسباوم، تنظر إلى الداخل والخارج معاً.
داخلياً، يتطلب ذلك قطيعة مع هوس التقشف الذي استحوذ على صناع السياسات الأوروبيين منذ تسعينيات القرن الماضي. وليس بلا سبب أن المؤرخ الاقتصادي آدم توز قد وبّخ تكنوقراط الاتحاد الأوروبي بوصفهم “طالبان النيوليبرالية” لتشبثهم العنيد بمبادئ السوق في عصر أعلن بطلانها. إن التخلص من هذا الدوغما أمر حاسم؛ فالتخفيف من قواعد الانضباط المالي للدول الأعضاء سيسهل اللحاق الاقتصادي، على ظهر استراتيجية جادة للاستثمار العام.
سياسياً، يعني ذلك تركيزاً واعياً و سحب pooling للسيادة. وسيكون هذا تحولاً كبيراً عن نهج العمل المعتاد: فقد ساد التفكك طويلاً في أوروبا، معرقلاً تطوير سياسة قارية بحق. سيكون جمع الدول في مسعى مشترك أمراً محورياً، مع اشتراط المساءلة الديمقراطية التي غالباً ما أهملتها المؤسسات الأوروبية. فليس من المرجح أن الكيانات الموكلة بإعادة إطلاق أوروبا يمكنها فعل ذلك من دون دعم شعبي.
خارجياً، ستكون هناك حاجة إلى إعادة تفكير طموحة في أولويات السياسة الخارجية. ففي العقد الماضي، ثبت أن الأمل في أن يتمكن الاتحاد الأوروبي من انتزاع شيء من الاستقلال العسكري أو المالي عن أميركا كان وهماً. وبدلاً من ذلك، انزلقت القارة إلى اعتماد أعمق على الولايات المتحدة. ومع ذلك فإن مثل هذا الانجراف سيُسرّع بدلاً من أن يوقف الانحدار الذي يندبه قادة الاتحاد الأوروبي؛ فشراء الأسلحة والطاقة الأميركية بالجملة، مثلاً، لن يجعل الصناعة الأوروبية رائدة عالمياً من جديد.
إذا كان على أوروبا أن تعيد ابتكار نفسها، فعليها أن تفكّر بطرق أكثر غير تقليدية. وبشكل أساسي، سيتعيّن عليها أن تتأمّل أمراً يُعدّ غير مقبول في بروكسل: الاندماج النقدي مع الصين. وكلمة «نقدي» مقصودة بالمعنيين. فمن جهة، هذا الانخراط ضروري للغاية في مكافحة تغيّر المناخ، وهو جهد تقوده الصين إلى حدّ كبير اليوم. ومن جهة أخرى، ينبغي أن يكون مشروطاً، من دون خضوع لبكين ولا تغافل عن سجلّها القاتم في التجارة أو حقوق العمال. إذ يمكن أن تترافق ضوابط التصدير، حيثما لزم، مع التعاون.
على أوروبا أن تأخذ العبرة من بريطانيا، المثال الأبرز على التراجع في القرن العشرين. ففي عالم ما بعد الحرب، ومع تهاوي إمبراطوريتها، رأت البلاد مسارين أمامها. إما أن تقوم بدور أشبه بالخادم للولايات المتحدة، فتربط اقتصادها وسياستها الخارجية بالإملاءات الأميركية، وإما أن تصبح بمثابة «السويد الكبرى»، محافظةً على قاعدتها الصناعية ودولة الرفاه واستقلالها الدبلوماسي النسبي. وفي النهاية، وبعد شدّ وجذب، اختارت بريطانيا الطريق الأول، متخلّيةً عن الاستقلال الوطني لصالح «العلاقة الخاصة».
لا يلزم أن تصبح أوروبا نسخةً مكبّرة من بريطانيا. وبما أنها لم تعد في مقعد القيادة للتاريخ، بإمكانها التخلّي عن أوهام العظمة المضرّة. ففي الجغرافيا السياسية والتخفيف من تغيّر المناخ، تستطيع بلوغ أهدافها حتى إن لم تعد اللاعب النجم. وسيقتضي ذلك خفض بعض التوقّعات: فالهدف ينبغي أن يكون ما يسميه مشجعو كرة القدم في بريطانيا «الاستقرار في منتصف الجدول»، لا تصدّر الدوري.
سيكون ذلك دواءً مُرّاً، خصوصاً للنخبة في القارة. وقد يفضّل بعضهم غوايات الرؤى الكارثية على الواقعية، لا سيما ميشيل ويلبك. ففي روايته عام 2010 «الخريطة والإقليم»، تنبّأ كئيباً بأوروبا حيث «انتصار الغطاء النباتي كامل» ومصانع القارة تلتهمها البرية. وفي صدى لافت، وصف جوزيب بوريل فونتيليس، النائب السابق لرئيس المفوضية الأوروبية، أوروبا بأنها «حديقة» محاطة بـ«أدغال» معادية.
إن يمين القارة ويمينها المتطرف، على اختلافهما، يتفقان بوضوح على بعض الأساسيات. ومع ذلك، ليس قدراً مُبرَماً أن تصير أوروبا أرضاً قاحلة أو مجمعاً مغلقاً. فإذا قُلِّصت إلى حجمها المناسب، قد تكتشف أوروبا أن حديقةً عامةً صغيرةً وممتعةً في ضواحي النظام العالمي الجديد قد تكون أكثر من كافية.
أنطون ياغر كاتب رأي مساهم. وهو محاضر في السياسة بجامعة أكسفورد ومؤلف الكتاب المرتقب «السياسة الفائقة: تسييس متطرف بلا عواقب سياسية».