1 آب 2025

رسم توضيحي لعائلة تجلس مع أوعية فارغة في شارع مليء بالأنقاض وسط مبانٍ منهارة. مظلات، يُفترض أنها تحمل مساعدات جوية، تسقط في الأفق.
حقوق الصورة… مات روتا
استمع إلى هذا المقال · 6:20 دقيقة
بقلم أليكس دي وال
السيد دي وال خبير في المجاعة والاستجابة الإنسانية.
العذاب الدائم لنوع الجوع الذي استولى على غزة يبقى في الذاكرة الشخصية والجماعية لأجيال. الجوع يبقى أيضاً في الجسد، خاصة بالنسبة للصغار. فالأطفال الذين ينجون من سوء التغذية الحاد قد يعانون من أضرار جسدية وذهنية تدوم مدى الحياة.
نحن الذين درسنا المجاعات لعقود عديدة نعرف العلامات المروعة عندما يكون الانهيار الاجتماعي وشيكاً — عندما تبدأ الروابط التي تجمع المجتمع بالتفكك ويبدأ النظام بالانهيار. إنها لحظة ترتفع فيها معدلات الوفيات بشكل أُسّي، وبعدها يصبح إصلاح نسيج المجتمع أكثر صعوبة بكثير. هذا التفكك ينذر بالفوضى والصراع، والانحراف، ويأس شرس يمكن أن يولد إرهاباً جديداً. يبدو أن غزة تدخل الآن هذه المنطقة.
إنها كارثة كانت متوقعة، وتم التحذير منها. الجوع يحتاج وقتاً؛ لا يمكن للسلطات أن تجوع شعباً بالصدفة. منذ مارس 2024، حذرت الهيئات الدولية مراراً من أن غزة على شفا المجاعة. هذا الأسبوع أصدرت مجموعة مدعومة من الأمم المتحدة تحذيراً آخر، قائلة: “أسوأ سيناريو للمجاعة يتحقق الآن.” خبراء الأمن الغذائي لم يحصلوا على البيانات التي يحتاجونها لاتخاذ حكم نهائي بشأن ما إذا كانت الظروف في غزة تُعتبر رسمياً مجاعة. في هذه المرحلة، التمييز لم يعد مهماً.
لا يزال بإمكان العاملين الإنسانيين المخضرمين إنقاذ غزة من حافة الهاوية — إذا مُنحوا الفرصة. لعدة أشهر، فرضت إسرائيل قيوداً على تدفق المساعدات إلى غزة، مما أدى إلى أزمة جوع تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. كانت مخزونات الطعام منخفضة بشكل يائس بالفعل في مارس، عندما فرضت إسرائيل حصاراً على القطاع، مستندة إلى مزاعم غير مؤكدة بأن حماس كانت تسرق الطعام بشكل منهجي من الأمم المتحدة.
عندما خففت إسرائيل بعض القيود جزئياً في مايو، بدأت بتشغيل نظام توزيع مساعدات جديد بدعم إسرائيلي وأمريكي تديره مجموعة خاصة تُدعى “مؤسسة غزة الإنسانية”، مما أدى إلى تهميش وكالات الإغاثة التقليدية إلى حد كبير. لقد تجاهل هذا النظام الظروف على الأرض لدرجة أنه يثير التساؤل عما إذا كانت إسرائيل تتعمد هندسة التجويع في القطاع.
اشترك في النشرة الإخبارية “رأي اليوم” للحصول على تحليلات الخبراء للأخبار ودليل لأهم الأفكار التي تشكل العالم كل صباح. تصلك إلى بريدك الإلكتروني.
المساعدات التي تقدمها مؤسسة غزة الإنسانية غير كافية وفقاً لعدة معايير. صناديق الحصص التي تقدمها المجموعة، حسب خبراء التغذية، غير متوازنة وتفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية للسكان الذين يعانون من الجوع، خاصة الأطفال. الطفل المصاب بسوء تغذية يحتاج إلى طعام متخصص مثل “بلامبي نات”، وهو تركيبة علاجية أساسها الفول السوداني — وليس المعكرونة أو العدس التي تقدمها المؤسسة بدلاً من ذلك. أما من يعانون من سوء تغذية شديد فيحتاجون إلى رعاية مكثفة في المستشفى. ولتحضير الطعام المقدم في صناديق الحصص، غالباً ما يحتاج الناس إلى وقود ومياه نظيفة، وكلاهما نادر في غزة.
حتى لو كانت المؤسسة تقدم مساعدات كافية في غزة، فهذا لا يضمن وصولها إلى من هم بأمس الحاجة إليها. فقد استبدلت المجموعة حوالي 400 مركز توزيع مساعدات كانت تديرها الأمم المتحدة وشركاؤها بأربعة فقط من محطات التغذية البعيدة عن أماكن سكن معظم الناس اليوم، وتفتح لفترات وجيزة وبإشعار قصير. وللوصول إلى هذه المواقع، كان على الناس الانتظار في مناطق عسكرية، مستعدين للاندفاع فور فتحها. وانتهى الأمر بالحشود تمر من أمام مواقع عسكرية إسرائيلية — وقُتل العشرات في الأيام التي أطلق فيها الجنود الإسرائيليون أو متعهدو الأمن الخاص النار أو في تدافع الحشود.
لم تفلح عمليات الإسقاط الجوي الأخيرة في تخفيف الوضع على الأرض: كميات المساعدات صغيرة جداً، ولا يوجد آلية لضمان وصولها إلى الفئات الأكثر ضعفاً في غزة. وقد شاهدنا بالفعل إمدادات الإسقاط الجوي تهبط في مناطق قتال خطيرة.
تدعي الحكومة الإسرائيلية أن هذا النظام ضروري لمنع المساعدات من الوقوع في أيدي حماس. لا توجد حالات موثقة تثبت أن حماس نهبت المساعدات من القوافل على نطاق واسع. وفي مايو، وضعت الأمم المتحدة اقتراحاً كان سيؤسس ضمانات لتوزيع المساعدات، بما في ذلك استخدام شاحنات مختومة بحمولات مشفرة برمز QR، ومراقبين من الأمم المتحدة عند كل معبر، وشاحنات مزودة بنظام تتبع GPS على طرق تم تطهيرها مسبقاً، وتدقيقات منتظمة للمستفيدين من المساعدات.
ما نراه اليوم في غزة — أناس يائسون يُسرق طعامهم من قبل عصابات وأعضاء من حماس، وتباع الحصص في السوق السوداء — هو نتيجة متوقعة لترتيب إسرائيل ذاته. عندما ينهار النظام الاجتماعي في المجاعة، آخر من يجوع هم من يحملون السلاح.
من غير المقبول أن نصل إلى هذه المرحلة. هناك مجاعات أخرى في العالم مماثلة من حيث الشدة والرعب. المجاعة الجماعية تتكشف في مدينة الفاشر السودانية وحولها، حيث يدافع الجيش السوداني وحلفاؤه عن حصار وهجوم من قوات الدعم السريع شبه العسكرية. كلا الطرفين يخوضان حرب تجويع، يسرقان الطعام من المدنيين ويمنعان وصول المساعدات. حتى لو وافق الطرفان المتحاربان على وقف إطلاق النار في هذه اللحظة، وبالنظر إلى الطرق الخطرة وعمليات الإغاثة التي تعاني من نقص التمويل، فسيمر أسابيع أو شهور قبل أن تصل المساعدة الكافية إلى الجائعين.
أما في غزة، فعلى النقيض من ذلك، فإن الأمم المتحدة وغيرها من منظمات الإغاثة ذات الخبرة مستعدة بالموارد والمهارات والخطط المجربة لتقديم الإغاثة الإنسانية الأساسية. إذا قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الليلة أن يحصل كل طفل فلسطيني في غزة على وجبة الإفطار غداً، فبلا شك يمكن تحقيق ذلك. أما الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة—عمليات الإسقاط الجوي وفترات التوقف اليومية للسماح بدخول المزيد من المساعدات—فهي أقل بكثير من نطاق المساعدة الطارئة الكاملة التي يحتاجها الفلسطينيون في غزة.
لإنهاء المجاعة في غزة، يجب على إسرائيل أن تسمح لمتخصصي الإغاثة الإنسانية بأداء عملهم. يجب عليها تسهيل حركة قوافل المساعدات التابعة للأمم المتحدة دون فحوصات مرهقة وتأخيرات. يجب أن تساعد في وضع تدابير المراقبة اللازمة لضمان وصول المساعدات إلى من هم في أمس الحاجة إليها. يجب أن تساعد مستشفيات غزة في إنشاء وحدات العناية المركزة للعديد من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية ويواجهون خطر الموت.
إسرائيل والمجتمع الدولي أمام فرصة لتقديم المساعدات المنقذة للحياة لملايين الأشخاص. لا يمكننا الانتظار حتى يحين وقت عد قبور الأطفال الذين فقدوا حياتهم، وإعلان حدوث مجاعة—أو حتى إبادة جماعية—ثم نقول ببساطة: “لن يتكرر ذلك أبداً”.
أليكس دي وال هو المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي في جامعة تافتس ومؤلف عدة كتب منها “المجاعة الجماعية: تاريخ ومستقبل المجاعة”.