
لقد أضحت أزمة الديموقراطية و ونظمها في العالم تجثو ثقيلة على الصراع العالمي ، وصراعاته الشرق الأوسط
و صار من الواضح كل مراقب لتحولات الشرق الأوسط ، أن الفاعل الأساسي الناظم لهذه التحولات و هو بالتحديد المقاربات السياسية والجيواستراتيجية للإدارة الأمريكية الجديدة ، في محاولاتها المستميتة في الحفاظ على مكانتها على قمة النظام الدولي ، ووضع النواظم الضابطة لأدائه وصراعاته .
من هنا كان لابد لكل مهتم برصد هذه التحولات ، أن يدرس التغييرات التي تحصل في واشنطون ، على صعيد شخصية الرئيس وأدائه ، وعلى صعيد التيار الجمهوري المحافظ الذي يقوده تحت شعار : ” لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى ” ، ورصد تأثير من صاغ برنامج 2025 , منذ المحافظين الجدد ، هذا البرنامج السياسية الذي يطبق بحذافيره – رغم تنصل ترامب منذ علنياً – بأجندة تجمع بين المحافظة والشعبوية في مزيج خطر . ويبقى العامل الشخصي لإنسان متضخم الأنا ، نزوي ، استعراضي و يختزل السياسية بصفقات ، ولم يخرج من شخصيته كصاحب شركة خاصة في المضاربات العقارية ، ليرتقي إلى قيادة دولة عظمى تقود العالم … فكان أداؤه الفرداني ، المتقلب ، النزق ، والسطحي ، مربكاً لمن معه … ولمن ضده .
لايخفى على أي مراقب ، أن سورية ومنطقة شرق المتوسط والمشرق العربي ، لاتزال تخضع لضغط جيوسياسي إقليمي من قوى لها مشاريعها . فبعد هزيمة إيران ومحاولة قطع أذرعها وكسر ظهرت المشروع الإمبراطوري الفارسي المغطى بتيار تبشيري شيعي ، تظهر تركيا ، الدولة الكبيرة والمهمة ، بزعيمها و مشروعه الإخواني العثماني السني ، وبعلاقاته المميزة مع الحرب . الجديدة هو اندياح العنصر الإسرائيلي في التأثير ، و رغم فائض قوته العسكرية ودعم الغرب له ، إلا أن معطوب من حديث البنية والأهداف ، والحلم . يبقى التيار السعودي الخليجي و الذي يحاول التموضع بشكل يمنع الإيراني من العودة ، والتركي المنافس من التمدد ، والاسرائيلي منذ السيطرة . لكنه فاعل معطوب : فليس من إيديولوجيا تقود الجهود و وليس من نظام دولة قابل للتصدير والتعميم ، كما هو حالة تركيا مثلاً …
أما الفواعل الدولية ، فهي قليلة التأثير في هذه اللحظة ، فلا الروسي حاضر ، و مازال الصين غائب ، أما الأوروبي و فهو يعاني ضغوطه وصراعاته وتناقضاته، وقد أزيح من المشهد بتواطؤ الجميع … من هنا كان ومازال تركيزنا على فهم واقعي لمسارات التحولات الجيواستراتيجية الأمريكية ، في محاولة لاستقراء تحولات الشرق الأوسط على ضوء ديناميكيتها .
ولما كنا نعتقد ، أن الدول الديموقراطية الليبرالية الحديثة في الشرق الأوسط والعالم العربي و هي الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية ودخول العصر ورفع تحدياته ، فقد حاولنا جاهداً أن ندرس واقع الديموقراطية في العالم ، واقع النظام الديموقراطية مشاكلها ومشاغلها .
فلم نأخذ بالديموقراطية كمسلمة أزلية ، راسخة ، تنطلق من الماضي ، وتذهب إلى المستقبل في طريق مستقيم . بل قاربنا الموضوع على أنه مسار بشري حضاري متطور ، متعرج ، بيل : وقابل للنكوص والانتكاس . هذا ما تثبته تجربتنا البشرية التاريخية المعاصرة .
والثابت الآخر الذي ننطلق منه ، هو أن الاستبداد ، وأنظمة الاستبداد ، تتشابه في البنية والأداء والهدف ، ولها طابع العمومية ، والتناقض ، والإشكالية . وهذا ما حاولنا البحث فيه في الدراسات والبحوث التي نشرناها …
السؤال الكبير المطروح ، على صعيد سوريا ، وعلى صعيد المشرق والشرق الأوسط هو :
هل من الممكن الوصول إلى السلام والاستقرار والتنمية والتعاون، بدون بنى عصرية لدول المنطقة ؟ وكيف يمكن ملاقات العصر ، بدون دول مواطنة حديثة ؟ ثم : ماهي الشروط اللازمة والكافية لإنشاء مثل هذه الدول في منطقتنا ؟ …
نحن نزعم أن البديل الديموقراطي الحديث ، هو المسار الأكثر مصداقية ، لتفادي انفجار المنطقة ، وتفكك الشرق الأوسط ، بل والانزلاق إلى صراعات دولية لايمكن ضبطها …
نحن اليوم أكثر اقتناعاً بأن التجربة التاريخية المعاصرة تبرهن : أن الدول العصرية ذات النظام الديموقراطي الحر ، هي الوحيدة التي لا تتحارب فيما بينها ، و أن لها المرونة في بنيتها وتركيبتها لتجاوز الأزمات وكل الخلافات ، و أنه هي الوحيدة التي تحمل برنامج حر للعيش المشترك والإندماج دون خطر الذوبان والقسر والضم ، وأن الاقتصاد الحديث ، الذي يتطلب الاستقرار والأمن ، سيدفع لتجمعات ديموقراطية واسعة في الشرق الأوسط ، كل يكون على قدر التحديات … ولنا في مشروع الوحدة الأوروبية رغم هناته … خير مثلا .
من هنا كان خيارنا البديل الديموقراطي في سوريا وفي الشرق الأوسط … وفي العالم