تطوّرت العنصرية “العلمية” (البيولوجية) بين 1880 و1914، ويمكن اعتبارها اليد اليمنى لتبرير الإستعمار الأوروبي واضطهاد واسترقاق أجناس بشرية أخرى، وعرفت هذه العنصرية ذروتها بين 1920 و1945.

تطوّرت العنصرية “العلمية” (البيولوجية) بين 1880 و1914، ويمكن اعتبارها اليد اليمنى لتبرير الإستعمار الأوروبي واضطهاد واسترقاق أجناس بشرية أخرى. وعرفت هذه العنصرية ذروتها بين 1920 و1945، لكنها لم تعرف انتقادات جوهرية إلا نهاية القرن العشرين، وبالخصوص بعد بيان منظمة اليونيسكو: ” صراع الأجناس” عام 1950. ومن الطرائف، التي يمكن إدراجها في الخُرافات العلمية الأوروبية هو أن جورج دي بوفون (1707- 1788)
ويوهان بلومنباخ (1752- 1840) كانا يعتقدان، بأن آدم وحواء كانا من بلاد القوقاز، أي من جنس أبيض (وللسخرية منهما أكّد شوبنهاور بأن آدم كان أسوداً، أو على الأقل قمحي لأنه وُلِدَ في الشرق الأوسط). كما دافعا عن فكرة كون كل الأعراق الأخرى ناتجة من تأثير عوامل بيئية كالشمس وسوء التغذية ونمط الحياة. وفي هذا الإتجاه ذهب بنجامين روش (1812)، صاحب مُصطلح “التزنج”، الذي قصد به مرض يُصيب الجلد ويُصبح داكناً، واعتقد بأن الزنوج مصابون بهذا المرض، وهو في زعمه مرض وراثي. لم تنته العنصرية “البيولوجية”، بل هناك إلى اليوم، بعض الجهات الداعمة لها، بما في ذلك بعض الجرائد والمجلات، بنشرها لمقالات تصبّ في هذا الإتجاه: الجريدة البريطانية مانكايند Mankind Quarterly ومجلة ” تَفوّق الجنس الأبيض” ومجلة ” العنصرية العلمية” وغيرها كثير. ومن الكتب التي حقّقت مبيعات كبيرة في أميركا وبريطانيا في السنين الأخيرة هناك كتاب “منحنى الجرس” لعالمي النفس تشارلز مواري وريتشارد هيرمستين. ومنحنى الجرس نموذج بياني يعبّر عن انقسام المجتمع في شكل يشبه الجرس. تحتل نخبة المجتمع قمّة الجرس. ويكثر عدد دهماء الناس وتتّسع قاعدتهم كلما هبطنا للأسفل. قد يكون هذا صحيحاً وموجوداً في كل مجتمع، إلا أن مواري وهيرمستين حاولا حصر السود والمهاجرين في قاع الجرس ورفع النخبة المسيحية البيضاء إلى قمّته، وحاولا البرهنة على أن تخلّف السود أمر فطري وأنه لا فائدة من محاولة تطوير مواهبهم أو زيادة ذكائهم. ويلتقيان هنا مع روبرت بلومين الذي أكّد على أن الذكاء يكون وراثياً بنسبة كبيرة، بمعنى أن لذكاء شخص ما علاقة ببيولوجيّته؛ وفي هذا الادّعاء تبرير للعنصرية الصارِخة. كما أن اختبارات الذكاء المعمول بها حاليا، لم تُثبت بعد جدارتها، لأن عمليات وسيرورات الذكاء -بمعنى مهارات يستطيع المرء القيام بها- معقّدة للغاية ولا علاقة لها بجنس الشخص. تُستغل البيولوجيا العنصرية سياسياً أيضاً، حتى وإن كان من الصعب بكثير التعرّف السريع على المُدافعين عنها في عالم العِلم البيولوجي حالياً، لأنهم يختبؤون وراء الكثير من الذرائع كحق التعدّد والإختلاف العلمي والتعبير عن الرأي وصوغ فرضيات ومحاولة البرهنة عليها. وما يجب فهمه هو أن أصحاب نظريات العلم “العنصري” لم يلتجؤوا للعلم للبرهنة على عنصريّتهم، بل انطلقوا من عنصريّتهم ليبرهنوا على اختلاف الأجناس. وكما كانت عليه الحال بالأمس، فإن الأمر يتعلّق في عصرنا هذا بالرغبة العميقة في الإستمرار في السيطرة على العالم من طرف نُخبة من البيض، تعتقد بأنها أسمى من كل ما عداها. عندما احتفلت فرنسا عام 1889 بمرور قرن على ثورتها، لم تجد أيّ حَرَج في تنظيم أكبر معرض لعرض الزنوج وأجناس أخرى في ما سُمّي آنذاك “المعارض العالمية”. وتذكّرنا “القرية الزنجية”، التي نُظمت في باريس وزارها في ذلك الوقت أكثر من 28 مليون شخص، بفاجعة تفوق بكثير العنصرية والإسترقاق والتمييز العنصري، بما أنها مسّت بالكرامة الإنسانية، في دولة كانت تتغنّى بأنها راعية هذه الكرامة، أينما كانت. ولم تُنظّم مثل هذه المعارض في فرنسا فقط، بل في غالبيّة الدول الإستعمارية في هابرورغ ولندن وبروكسل وشيغاغو وجنيف وبرشلونة وأوساكا وسيدني ولشبونة وجنوة وغيرها. ولم يشعر الإنسان الغربي بصفة عامة والأوروبي بالخصوص بأي ّحَرَج ولا وَخزة ضمير، لأنه كان يعتبر البشر المَعروضِين ليتفرّج عليهم بشراً آخرين وُحُوشاً، سواء أَاُحضروا من السينغال أو من مصر أو كانوا نوبيين أو هنوداً حمراً أو كوريين إلخ. وطبقاً للصوَر الموجودة إلى حد الآن عن هذه المعارض، فإن عرض هؤلاء الناس كان في الغالب يتمّ بجانب حيوانات متوحّشية، للتركيز على وحشيّتهم أيضاً. وتقول الأرقام بأن هناك أكثر من مليار غربي زار هذه المعارض بين 1870 و1940. ويُظهر هذا بوضوح، بأن قوانين إلغاء العنصرية والعَبَث بالجنس البشري من طرف الغربيين، لم تُساعد للحد من إكراه سكان المستعمرات على القيام بأشياء لا تُقلِّل فقط من إنسانيّتهم، بل تسحبها عنهم نهائياً، ليصبحوا أدوات ترفيهية، يتسلّى بها الغربي. هناك إذن بُعد عنصري إمبريالي لهذه المعارض، وهي عند فَهْم عُمقها نوع من تغيير تركيز الأوروبيين على العنصرية في ما بينهم، وتوجيهها إلى العنصرية ضد كل ما هو غير أوروبي. وهنا بالضبط نلمس آثار المركزية الأوروبية بكل سِماتها المعروفة. أضف إلى ذلك بأن الأوروبيين كانوا يهدفون إلى تبرير الإستعمار وضرورة “الرسالة الحضارية” التي يحملونها لإيصال الشعوب المُستعمرَة إلى سكة قطار التقدّم. لم تجذب هذه المعارض الجمهور العريض من الأوروبيين وحسب، بل اهتمّ بها الكثير من “العلماء” مثل الأنثروبولوجيين بهدف القيام بقياسات مختلفة على البشر المعروضين في هذه المعارض، خاصة وأن “بيولوجيا الأجناس” -أي “العِلم العنصري”- كان قد نجح في جَذْب الإنتباه له أكثر وأكثر. وقد وفّرت هذه المعارض الوقت على “العلماء”، والإنخراط في أسفار لسنواتٍ طوال إلى المستعمرات قَصْد القيام بقياساتهم وعرض أطروحاتهم ونظرياتهم عن اختلاف الأجناس، خدمة للفكرة الرئيس: أفضليّة الجنس الأبيض على ما سواه. بمعنى أن هذه المعارض زاوجت بين الترفيه الجماهري و”دراسات” “العلماء”. كانت هذه المعارض بمثابة معامل قائمة بذاتها لإنتاج العنصرية والأحكام المُسبقة على نطاق واسع في الأوساط الواسعة، أي الجماهيرية، في عموم أوروبا. بتعبير آخر، كانت بمثابة وسيلة بيداغوجية جماهيرية لتعميم أفكار البيولوجيا العنصرية، لأن أغلبيّة الأوروبيين في ذلك الوقت لم يكونوا يُحسنون القراءة والكتابة، بل حتى الكتب لم تكن منتشرة بالكثافة والعدد الذي نعرفه الآن. وكان لظهور الصورة الفوتوغرافية في ذلك الوقت واستعمالها الواسع كأداة بيداغوجية للترويج للعنصرية، أثراً كبيراً في أوروبا. لعلّ هذه الإطلالة السريعة على ثلاثة أسُس ثقافية من بين أخرى للعنصرية الغربية كافية لفَهْم انخراط الكثير من الناس من جنسيات مختلفة ولون بشرة مختلفة في التظاهرات المُناهِضة للعنصرية، ليس فقط في أميركا، بل في الكثير من الدول الأوروبية الأخرى. فأصحاب البشرة البيضاء الذين شاهدناهم في هذه التظاهرات يستشعرون الخطر المُحدق بهم هم أنفسهم، والمُتمثّل في آخر تطوّرات الليبرالية الجديدة، أي وصولها إلى قمّة الرغبة في القضاء على أكبر عدد ممكن من البشر في أنظمة ديكتاتورية مُقنّعة، مُشخّصة في ترامب الذي لم يعد المرء قادراً على التمييز بين نصيب الديكتاتورية في شخصيّته ونصيب جنون العَظَمة. وليس هناك شخص آخر جمع كل شروط النُخبة الليبرالية الجديدة لتحقيق آخر خطوة لها: الإبقاء فقط على ما يحتاجونه من البشر، وليكونوا كلهم من البيض، لأن الأجناس الأخرى لم تعد تهمّهم، بل أصبحت عالة على الليبرالي الأبيض. فقد تحوّل “صِدام الحضارات” بقدرة قادر إلى “صراع الأغنياء والفقراء” في الغرب، ولا تلوح في الأفق أية حلول لهذا الصراع، ما دام الأمر يتعلّق بمصير إما الليبرالية المتوحّشة أو الإنسانية. إنه صراع وجود رهيب.
…………………..
منقول