ابن تيمية
03/10/2024
|
الكاتب |
جون هوفر |
|
ترجمة |
أحـمد سالم |
ابن تيمية
ابن تيمية الدمشقي (1263م – 1328م)، العالم السني والمصلح الديني، الساعي لاجتثاث البدع المحدثة من جذورها والعودة الى الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح. وبينما تتباين الرؤى حول ابن تيمية في عصرنا، بين كونه أحدالمراجع الكبرى لأفكار السلفيين في العالم، وبين كونه أحد الفلاسفة المنظرين لأفكار الاسمية والتجريبية، وبين مقاربته مع ابن رشد كما عند بعض الباحثين، وبين آخرين ينتقدونه على جموده على النص وظاهر الألفاظ وعداء العقل، لماصنفه في الرد على المنطق الارسطي والاحتكام الى النصوص الدينية. تميز ابن تيمية بسعة الاطلاع، والغوص في دقائق النصوص الفلسفية والكلامية إلى حد الغاية في عصره، وقد استخدم أسلوب حجاجي لغوي عقلي للدفاع والتدليل على آرائه لمقتضى النصوص الدينية والتي يراها منسجمة معالعقل. وربما نبالغ اذ نعتبر ابن تيمية فيلسوفا لما حوت مؤلفاته من دفاع وحجاج عن عقلانية النص الديني، لكن اللغة الفلسفية بارزة في تصانيفه المتعددة، ولذا وصف تراثه بأنه لاهوت فلسفي، وإلهيات قرآنية عقلية.
1. سيرة وكتب ابن تيمية
تشكلت طفولية ابن تيمية في ظلال الاجتياح المغولي، فقد استولوا على بغداد 1258، وأسسوا الإليخانة على بلاد العراق وفارس، وهي واحدة من الأنظمة الأربعة الرئيسية الكبرى التي شكلت الإمبراطورية المغولية الشاسعة التيامتدت من شرق أوروبا إلى غاية شبه الجزيرة الكورية. وفي عام 1260، نجح المماليك حكام مصر وسوريا في وقف الزحف المغولي في معركة عين جالوت في فلسطين. وفي عام 1263م الموافق 661 هـ، ولد أحمد ابن تيمية فيحران الواقعة اليوم في الجنوب الشرفي لتركيا والتي كانت وقتها تحت سيطرة المماليك، وفي عام 1269، هاجرت عائلة ابن تيمية هربا من حملة مغولية ثم استقر بها الأمر في دمشق. كان والده فقيها حنبليا، وترأس مشيخة دارالحديث السكرية. ومع نبوغ ابن تيمية وبروزه في العلوم الدينية، ترأس دار الحديث خلفا لوالده في عام 1284م.
وفي عام 1298م، امتحن ابن تيمية لما كتبه ضد المعتقد الاشعري في صفات الله والإلهيات، واتهم بالتجسيم، وتم استجوابه ثم إطلاق سراحه. وفي ذاك الزمان، غزا المغول دمشق في الفترة من 1299م إلى 1303، ولكن هذه المرةكان المغول قد اعتنقوا الإسلام في عام 1296م، مما أثار مشكلة أخلاقية داخل المجتمع المسلم في سوريا، عن شرعية القتال ضد المغول المسلمين. لكن ابن تيمية أعلن بلا مواربة أن على سلاطين المماليك الجهاد والمقاومة ضد المغول،لأنهم لا يلتزمون بكافة شرائع الإسلام، ولا تحركهم إلا مطامعهم ومصالحهم الخاصة، وليس مقاصد الشريعة. في النهاية، نجح المماليك في طرد المغول وتنعموا بالسلام والرخاء لأمدٍ طويل.
ومع زوال التهديد المغولي، كتب ابن تيمية ردودا على التعاليم الصوفية، والطقوس الدينية الشعبية، والتي عدّها انحرافا عن الإسلام وتضعف المجتمع المسلم. ومع اكتساب خصومه الدعم السياسي من سلطات المماليك، تمكنوا منه،واقتادوه للمحاكمة مرة أخرى بتهمة التجسيم. ثلاث مجالس عقدت في دمشق بين يناير وفبراير من عام 1306م، ولم تسفر عن أي شيء له ولهم، ولذا تم استدعاؤه ليحضر إلى القاهرة عاصمة الحكم المملوكي، للبت في مسألةالتجسيم وقضايا أخرى اتهم بها اسفرت عن سجنه لمدة 18 شهرا. وفي إبريل 1308م سجن مرة أخرى لمدة 16 شهرا في القاهرة جراء التنازع مع الصوفية، ثم تم ترحيله إلى الإسكندرية في أغسطس 1309م، ووضع تحتالإقامة الجبرية لثمانية أشهر. ثم عاد للقاهرة وتنعم بالهدوء لثلاث سنوات. وفي 1313م، عاد لدمشق حيث قضى معظم حياته يصنف ويعلم الطلبة، وهذه الفترة سجلت منازعات فكرية مع العلماء المخالفين له، والتي اضطرت السلطةالمملوكية للتدخل فيها. وفي 1318م، سجن مرة أخرى لمدة خمس أشهر ونصف، لمخالفته الاجماع المنعقد على الحلف بالطلاق. وفي 1326م، سجن مرة أخرى وأخيرة، لفتاواه حول شد الرحال للقبور والاستغاثة بالأموات. وقد توفيفي محبسه في سبتمبر من العالم 1328م الموافق 728هـ.
لم تكن كتابة ابن تيمية سلسة أو بطريقة منهجية منظمة في فنون الكلام والفلسفة، وإنما ترك تراثا ضخما من الردود والفتاوى التي تتفاوت في الحجم والتنظيم، ولذا من الصعب تأريخ مصنفات ابن تيمية لتتبع تطور أفكاره. لكننانستطيع أن نحدد تاريخ ثلاثة من مصنفاته الإلهية الكبرى. فقد ألف “بيان تلبيس الجهمية” في عشر مجلدات، خلال السنة الأولى من محبسه في مصر بين إبريل 1306م و1307م. ثم صنف تحفته الأعظم “درء تعارض العقلوالنقل” في أحد عشر مجلدًا، بعد عام 1313م، والتي أتبعها بأكبر مصنف في الرد على الشيعة الاثنا عشرية “منهاج السنة النبوية” في تسع مجلدات. وقد ترك مصنفات متنوعة في الفقه والنبوات والرد على النصارى. ومن الكتبالفلسفية الهامة التي ألفها هي “الرد على المنطقيين”، والذي بدأ في كتابته في الإسكندرية لما كان تحت الإقامة الجبرية بين عامي 1309م و1310م، ثم أكلمه لاحقا في دمشق. أيضا كتاب ” السياسة الشرعية”، من مصنفاتهالسياسية الهامة والذي بدأ كتابته في مصر وأنهاه في دمشق. وبينما طبعت مطولات ابن تيمية بشكل منفصل، فقد جمعت العديد من رسائله وكتبه الصغيرة والمتوسطة في ” مجموع الفتاوى “، وهي تبلغ 37 مجلدا.
2.علم الوجود (الأنطولوجيا)
كانت نظرية ابن تيمية الوجودية على خلاف كبير مع الأفكار الإسلامية التراثية والمتأخرة، فالأنطولوجيا التيمية مادية فيزيائية بحتة، فجميع الموجودات بما فيها الله سبحانه وتعالى، قابلة للحس، ويمكن إدراكها بأحد الحواس الخمس: السمع والبصر والتذوق والشم واللمس، وما لا يمكن إدراكه ومعرفته بالحواس فإنه يكون معدوما لا موجودا. وحتى الموجودات الغيبية قابلة للإدراك الحسي بشروطها ولوازمها الخاصة. فعالم الغيب وفقا لابن تيمية، ليس عالم المعقولاتأو الأفكار والصور المفارقة للمادة، وإنما عالم الغيب يتكون من المحسوسات داخل أبعادها الزمانية والمكانية، ويمكن لنا ادراكها والإحساس بها عند تحقق الشروط وانتفاء الموانع. هذا العالم الغيبي يشمل الله سبحانه، والملائكة، واليومالآخر، والروح البشرية، والتي تختلف عن الجسم البشري، ولكنها ليست مفارقة للمادة. وبعض الأشياء في العالم الغيبي قد أدركت بالفعل في عالم الشهادة، بواسطة الأنبياء في الرؤى والأحلام، وسيرى المؤمنون ربهم يوم القيامةبأعينهم وأبصارهم. بل يرى ابن تيمية أن الرب أولى بالرؤية لأنه أكثر الموجودات كمالا وعظمة. ولذا فابن تيمية يعد الاله المثالي المنزه عن الجسمية والقابلية للإحساس، الذي يقرره أهل الكلام والفلاسفة على غرار ابن سينا وابن رشد،هو من جنس المعدوم، اذ لا يعدوا أكثر من كونه مفهوما عقليا لا حقيقة له في خارج الذهن.
والشيخ ابن تيمية ينكر وجود أي حقيقة واقعية للكليات خارج الذهن، تماهيا مع المذهب المادي، فهو يرفض وجود الكليات مجردة عن الأعيان كما في الواقعية الأفلاطونية، أو وجود الماهية الكلية المجردة مقارنة للأعيان كما هو المذهبالواقعي لـ أرسطو وابن سينا. فالمعاني المشتركة، والكليات المشتقة من الجزئيات والأعيان، لا توجد إلا في الذهن. على سبيل المثال: فلا يوجد “إنسان مطلق” خارج الذهن يستقل بالوجود ويكون البشر المعينين مجرد تمثيلاتوخيالات منه، ولا توجد ماهية إنسانية كلية توجد في كل إنسان. لا يوجد في الواقع إلا بشر متمايزين عن بعضهم البعض أنطولوجيا، ثم يجرد منهم العقل مفاهيم كلية أو معنى مشترك يسمى ” الإنسان”. وغالبا ما اعتبر ابن تيميةضمن المنتسبين للاسمية لرفضه واقعية الكليات مثل وائل حلاق، لكن من الأفضل أن يصنف ابن تيمية تحت مذهب “التصورية conceptualism”، إذ أن التصورية تقر بأن للكليات وجود متحقق في الذهن بخلاف ما يوحي إليهمصطلح ” الاسمية” والذي ربما يرفض أي وجود للكليات حتى في الذهن.
وبالنسبة لابن تيمية، فإن الموجودات خارج الذهن تتفق في شيئين: 1- حقيقة الوجود 2- وأن لكل موجود ماهيته وحقيقته الخاصة المميزة له:
{ما من موجودين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز، فإنهما لا بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان، وأن كلا منهما له حقيقة: هي ذاته ونفسه وماهية، حتى لو كان الموجودان مختلفين اختلافًا ظاهرًا كالسواد والبياض فلابد أن يشتركا في مسمى الوجود والحقيقة} {درء التعارض 83|5}.
لذا فإن الماهيات الخاصة هي ما تجعل الموجودات متمايزة ومتفردة عن بعضها البعض، وجوهر الشيء هو في الحقيقة وجوده ذاته مع صفاته. وهذه الآراء التي طرحها ابن تيمية حول الكليات لم تكن إبداعا خالصا منه، بل كانتضمن تيار أوسع وأكبر ينحو ناحية الإسمية أو التصورية وجد مع شخصيات بارزة سابقة عليه كشهاب الدين السهروردي المقتول 1191م.
يصر ابن تيمية على وجود مبادئ عقلية تطبق بشكل شامل وعام على الذهن وخارجه، وهي متماهية مع أنطولوجيته المادية، وهي تشمل المسلمات والبديهيات المنطقية كمبدأ عدم التناقض، أو مبدأ الثالث المرفوع، فمثلا، من المحال أنيوجد الشيء ولا يوجد في نفس الوقت، أو وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه. أو إن واحدا من موجودين ليس متمايزا ولا متحدا بالآخر. ويؤكد ابن تيمية على القسمة الشاملة للموجودات: إما موجود قديم بلا بداية أو موجودمحدث له بداية، إما واجب وإما ممكن، إما قائم بذاته أو قائم بغيره. ويصر الشيخ كذلك على العلة الفاعلة وتطبيقها على العالم، فكل حادث يستلزم المحدِث، وكل مرجوح يستلزم المرجح. ولذا يؤكد ابن تيمية أنه الناس العادية علىفطرتها السليمة تدرك بالسليقة أنه مجرد وجودهم يلزم وجود إله خالق لهم.
3. نظرية المعرفة
3.1 طرق المعرفة عند ابن تيمية
تقوم نظرية المعرفة لابن تيمية على: الحس والخبر والعقل والفطرة، والحس نوعان: ظاهر وباطن، والحس الظاهر وهو ما تدركه الحواس الخمسة، فهي تتصل بالأعيان في عالم الشهادة، وسترى الله بها يوم القيامة. والحس الباطنييشمل إدراك الجوع والعكس واللذة والألم وإحساس الانسان بذاته ووعيه بنفسه، واستشعار حضور الله ووجوده سبحانه وتعالى. ووفقا لابن تيمية، فما يدرك بالحس ضروري وبدهي ولا يمكن إنكاره.
الخبر مرتبط بالحس، والمخبر عنه قد أُدرك عند أقوام عاينوه بالحس ابتداءً ثم أخبروا عنه. والخبر يشتمل على الكليات، والجزئيات، والمشهود، والمحجوب. وبالتالي فأغلب المعارف البشرية إنما تأتي من الخبر، لأن ما تتفاعل معهالحواس وتتعرف عليه محدود النطاق زمانيا ومكانيا. الوحي الإلهي مُنَزَلٌ في مرتبة خاصة من الأخبار والتي تتناول عالم الغيب وأحوال الآخرة، وتعتبر الأخبار على درجة من اليقين إذا كانت متواترة، أي نقلها جمع غفير من الناس يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، ويعتقد المسلمون بأنالقرآن وبعض أحاديث النبي ﷺ متواترة. ويعتبر ابن تيمية أن بعض أخبار المسلمين الأوائل (السلف) هي متواترة أيضا. العقل عند ابن تيمية هو آلة التفكير، وهو أيضا نوع من المعارف البديهية والضرورية، والمعرفة الضرورية تشمل المسلمات المنطقية مثل المذكورة سابقا كمبدأ الثالث المرفوع، وعدم اجتماع النقيضين، والمسلمات الأخلاقية الأساسية بأنجلب المنافع حسن، وأن الله هو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة والتأله. ووظيفة العقل كآلة للتفكير تشمل إبداع الكليات في الذهن من جزئياتها الموجودة في الخارج والتي أدركها الحس على التعيين.
تشكل الفطرة إطار نظرية المعرفة لدى ابن تيمية كالقابلية أو الاستعداد الأولي في أصل الخلقة، أو كونها دستورا طبيعيا، فالإنسان بطبعه ينزع نحو الإيمان بالله وإفراده وحده بالعبادة. فكما يسعى الطفل غريزيا نحو لبن أمه، فقدخلق الله البشر بافتقار ذاتي له ولعبادته. ولذا قد تؤدي التأثيرات العقلية الفاسدة كطرق علم الكلام والفلسفة إلى تشويه الفطرة وانحرافها عن غايتها الأسمى. ولذا فغاية النبوات والوحي الإلهي هو تكميل الفطرة وإتمام نورها وإزالةمصادر فسادها، وتصحيح الفكر والنظر وكشف جوانب من الشريعة الربانية التي لا تدرك بالوسائل الطبيعية.
وبعيدا عن النبوات، فابن تيمية يلجأ إلى ما هو مفطور في نفوس خلائق البشر عامة، لضمان موثوقية المعرفة الحسية والمسلمات المنطقية للرد على أهل الكلام والفلسفة. فمثلا: البديهة القائلة بأنه لا يعقل في الخارج موجودين قائمينبأنفسهما، ليس أحدهما داخلًا في الآخر ولا محايثًا له، مركوزة في فطر الناس السليمة بحيث يحيل العقل تواطؤوهم على الكذب. وهذا يكشف لوحده خطأ المتكلمين الذين يفترضون وجود نوعا ثالثا من الموجودات، لا داخل العالم ولاخارجه كالرب مثلا. فابن تيمية لا يكتفي بالتواتر على مجرد صحة الوحي، بل يضمن به يقين المعرفة الحسية وثبات الأوليات المنطقية.
3.2 رد ابن تيمية على المنطق الأرسطي
كرَس ابن تيمية كتابه ” الرد على المنطقيين“، للرد على المنطق الأرسطي الذي أُعيد صياغته على يد ابن سينا، النظام المنطقي السينوي هو نظام تأسيسي برهاني foundationalism، حيث تكتسب المعرفة من العلوم الأولية منخلال النظر والاستدلال. فلا يجوز أن يكون علم الانسان كله نظريا لافتقار النظري إلى البديهي فيلزم الدور القبلي أو التسلسل. يقسم المنطق السينوي العلم إلى التصور والتصديق، التصور هو إدراك العقل لمعنى مفرد في الذهن، بعض التصورات مثل ” الشيء”، و”الموجود” هي تصورات بدهية تدرك بالبديهة بدون الحاجة للنظر، لكن بعض التصوراتتتطلب قولا شارحا لإدراكها وهو الحد، والذي يشير إلى ماهية النوع من خلال الجنس والفصل. فمثلا، حد الإنسان هو الحيوان الناطق، وهذا يتطلب تصورا مسبقا للجنس: الحيوانية، وللفصل: الناطقية. فالتعريف يولد تصورا فيالذهن يتوافق مع ماهية الموجود خارج الذهن. والتصديق إدراك نسبة المعاني المفردة بعضها إلى بعض بالإثبات أو النفي، أو إدراك النسبة بين المحمول والموضوع. ويكون أوليا وكسبيًا، ويقينيا وظنيا، فالتصديقات الأولية اليقينية تتضمن الحقائق البديهية ككون الكل أكبر منالجزء، ومدركات الحس كرؤية شمس الضحى، وما نقل بالتواتر عن جمع غفير كوجود مدينة معينة. والتصديقات الأولية الظنية كالمعتقدات حول العادات والشرائع. التصديقات الكسبية تستمد من الاستقراء induction، وقياس التمثيلanalogy، وقياس الشمول syllogism، وفي حين لا يفيد الاستقراء والقياس التمثيل إلا الظن، فقياس الشمول المبني على مقدمات قطعية يفيد اليقين، وهو ما يسمى البرهان. يقع ابن تيمية في تقاليد القرن الثاني عشر الميلادي حيث خضعت أفكار ابن سينا في الحدود للتشكيك والنقد، يرفض ابن تيمية الأنطولوجية الوجودية التي تقوم عليها نظرية الحد عند ابن سينا، فالحدود لا تصف الماهية المشتركةللموجودات خارج الذهن، ولا صفات الحقائق الخارجية تنقسم إلى الصفات الماهية الجوهرية، والصفات العارضة. وإنما الحدود والتعريفات خاضعة للاستعمال اللغوي، وأن فائدتها هي التمييز لا التصوير، بالتالي يرى ابن تيمية بأن الحد الأرسطي ليس ضروريا لتكوين التصورات، وقد تكلم في ذلك فخر الدين الرازي الأشعري وقال بأن الحدود لاتؤدي لاكتساب التصورات مطلقا، بل التصورات أولية وحسية، تنشأ من التجربة والحس الظاهري كالسمع والبصر، والحس الباطني كالألم والجوع والحب. فلا تضيف الحدود الأرسطية معرفة جديدة غير متحصلة ابتداءً، فالذينيسمعون التعريفات لن يفهموها إلا إذا كانوا قد تصوروا وفهموا مسبقًا المصطلحات المستخدمة لتشكيل الحدود ذاتها. على سبيل المثال، تعريف الإنسان كحيوان عاقل هو مجرد تأكيد من الشخص الذي يقوم بتعريفه. السامع الذييعرف أن هذا صحيح سيعرف ذلك بناءً على معرفة سابقة وليس من التعريف ذاته. أما السامع الذي لا يعرف أن هذا صحيح لا يمكنه أن يكون متأكدًا من أن شهادة الشخص الذي قدم ذاك التعريف صحيحة دون تحقق إضافي.
يستنكر ابن تيمية القياس المنطقي ويبين أنه غير ضروري ولا يستفاد به علم بالموجودات، ولا ينتج معرفةً إلا بطريقة صورية شكلية، ولا يفيد القياس اليقين إلا إذا كانت مادة القياس يقينية:
{صورة القياس إذا كانت مواده معلومة فلا ريب أنه يفيد اليقين، وإذا قيل: كل أ هو ب، وكل ب هو ج، وكانت المقدمتان معلومتين فلا ريب أن هذا التأليف يفيد العلم بأن كل أ: ج، وهذا لا نزاع فيه.} {الرد على المنطقيين 293}
وينتقد ابن تيمية التطويل والتعقيد السينوي والأرسطي للقياس وأشكاله وشروطه معتبرا إياها تبعيدا للمطلوب وعكسا لمقصود العلم:
{ كثرة هذه الأشكال وشروط نتاجها، تطويل قليل الفائدة، كثير التعب، فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقي، ولا سمين فينتقل} {الرد على المنطقيين 297}
يؤكد ابن تيمية على أن المعرفة اليقينية يمكن اكتسابها من غير القياس، وكذلك يصل بعض الناس لليقين بطرق متفاوتة، فما هو قطعي بديهي عند بعض الناس، قد يكون نظريا مكتسبا عند الآخرين، بعض الناس يحتاجون للحدالأوسط لاكتساب المعرفة، وآخرون لا يتطلبون ذلك. كما أن عملية القياس والاستدلال العقلي لا يجب أن تتكون من مقدمتين بالضبط، خلافا لما يتطلبه المناطقة من القياس البرهاني، بل تختلف عدد المقدمات بحسب قدرة القائس أوطالب المعرفة، فبعض الاستدلالات لا تتطلب أكثر من مقدمة واحدة، أي دليلا واحدا ولازمه الضروري، فمثلا المخلوق المحدث يعرف يقينا أن وجوده يستلزم خالقه بالضرورة، فلا حاجة إلى صياغتها بصورة قياسية لتكون برهانية،فتطلب القياس هو مجرد تطويل وتعقيد. وبناءً على تجريبية ابن تيمية، فينتقد المنطق من خلال أن المقدمة الكلية في القياس غير ضرورية وزائدة عن الحاجة عندما تتعلق بمادة العالم الخارجي، لأنه لا يوجد خارج الذهن إلا الجزئيات، فمثلا لمعرفة أن كلية كل نار محرقةصحيحة في العالم الخارجي، سيكون من الضروري فحص جميع النيران في الوجود استقراء تاما مستغرقا، لمعرفة إذا ما كانت كل النيران محرقة أم لا، فالإنسان لا يدرك بالحس إلا إحراق هذه النار الجزئية، ولا يدرك به أن كل نارمحرقة، فإذا جعلنا هذه قضية كلية وقلنا كل نار محرقة لم يكن لنا طريق يعلم به صدق هذه القضية الكلية علما يقينيا إلا والعلم بذلك ممكن في الأعيان المعينة بطريق الأولى.
وكذلك يصر ابن تيمية على أن قياس التمثيل لا يختلف عن قياس الشمول من حيث إفادته لليقين والظن:
{ قياس التمثيل وقياس الشمول سواء، وإنما يختلف اليقين والظن بحسب المواد، فالمادة المعينة أن كانت يقينية في أحدهما كانت يقينية في الآخر، وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ظنية في الآخر.} {الرد على المنطقيين 116}
لكن المنطق الأرسطي والسينوي ينصان على أن قياس التمثيل لا يفيد اليقين، لأنه يقارن الجزئي المعين بجزئي معين آخر، فقياس التمثيل ينقل الحكم من أحدهما إلى الآخر بناءً على جامع مشترك بينهما. فلا يمكن التأكد من العلةالمشتركة بينهما، فإنه ليس من ضرورة اشتراك أمرين يعمهما اشتراكهما فيما حكم به على أحدهما أن يحكم على الآخر إلا أن يبين أن ما به الاشتراك علة لذلك الحكم وكل ما يدل عليه فهو أمر ظني، ولذا لا يفيد اليقين.
لكن ابن تيمية يعارض المناطقة ويقول بأن الحد الأوسط في قياس الشمول، هو نفسه العلة في قياس التمثيل، ويوضح ذلك بالمثال الفقهي الشهير عن الشراب المسكر المصنوع من التمر ” النبيذ”، فنبيذ التمر محرمٌ بقياس التمثيلعلى شراب الخمر المصنوع من العنب، لاتحادهما في علة الإسكار، إذ أن الإسكار هو مناط التحريم في الأصل، وهو موجود في الفرع، وبالتالي تكون صياغة تحريم نبيذ التمر كالتالي: كل نبيذٍ مسكر، وكل مسكر حرام، إذاً كل نبيذٍحرام. يقر ابن تيمية بأن أعظم سؤال يرد على قياس التمثيل هو أن ثبوت الحكم في بعض الجزئيات لا يكفي في قياس التمثيل إثباته في الجزء الآخر لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم، يعني كيف نتأكد بأنالجامع المشترك بين الأصل والفرع (الإسكار)، يستلزم الحكم (التحريم)؟
ومع هذا يقر ابن تيمية بأن هذه المشكلة لا تختلف في صعوبتها عن تحديد الحد الأوسط في قياس الشمول، فإذا كان الحد الأوسط هو العلة، وكانت المقدمات يقينية، فهذا برهان علة. وإن لم يفد العلم، بل أفاد الظن فكذلك المقدمةالكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية، وكما وضحنا سابقا عن ابن تيمية، فهو يجعل من الصعب اكتساب معرفة يقينية للكليات المستمدة من العالم الخارجي الجزئي مثل قضية كل النيران محرقة، لكنه يقلل فعالية قياس الشمولعلى المستوى المعرفي ليجعله مساويا لقياس التمثيل كأداة لاكتساب المعرفة الجديدة عن العالم الخارجي قد تفيد اليقين والظن.
يوضح ابن تيمية بأن بمجرد أن معرفة الوصف المشترك المستلزم للحكم كالإسكار علةً للتحريم، تصبح كلية، فمتى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع، لم يحتج إلى الأصل، بل نفس الدليل الدال على أن الحكم معلقبالوصف كاف، لكن لما كان هذا كليا والكلى لا يوجد إلا معينا كان تعيين الأصل مما يعلم به تحقق هذا الكلي. بالنسبة لابن تيمية، فالوحي الإلهي هو الذي أبان عن علة الحكم، وهذا يعرف بإجماع المسلمين ونصوص النبي الصريحةﷺ، من ذلك قوله عليه السلام في حديثين في صحيح مسلم: {كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام}، {كل مسكر خمر، وكل خمر حرام} يقدم الوحي معرفة يقينية عن العالم الخارجي، حتى لو لم تكن الملاحظة التجريبية للجزئيات قادرة على اختبار هذه المعرفة، وهذا ما حدا وائل حلاق إلى وصف ابن تيمية بكونه متشكك متحمس، لكن الدين هو ما أنقذه من الشك،ملاحظة وائل حلاق تلك مناسبة لنقطة معينة فقط، لأنه كما سيتضح لاحقا، فابن تيمية يرى أن معرفة الله يمكن أن تستنبط بالعقل أيضا، من خلال الاستدلالات والتفكر العقلي.
لاقى نقد ابن تيمية للمنطق اهتمامًا ضئيلا من مناطقة عصره ومن جاء بعده، أحد الأسباب المحتملة لذلك هو أنه ابن تيمية لم يأخذ التراث المنطقي للمتأخرين في الحسبان، فالمناطقة العرب منذ القرن الثاني عشر لم يلتزموا بقولٍموحد حول وجود الكليات خارج الذهن، ولا بدعوى ابن سينا أن الحد والقياس البرهاني هي الوسائل الوحيدة لاكتساب المعرفة اليقينية من خلال النظر العقلي. ومن الاحتمالات كذلك، هو أن كلام ابن تيمية لم يكون دقيقا كفاية، فهويدعي بشكل صريح على أن المناطقة ينصون على أنه “لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس “. وكما أشار بعض الباحثين المعاصرين بأن هذا ليس صحيحا على وجهه، فيعترف المناطقة السيناويون بمجموعة واسعة منالتصديقات الأولية والظنية تكتسب من خلال التمثيل والاستقراء. وابن تيمية يدرك هذه الآراء الموسعة عن التصديقات كما في مقدمة الرد على المنطقيين، ولكن يظهر أنه لم يفرد الرد إلا على النسخة المحدودة الضيقة، بأن لا يعلم شيءمن التصديقات إلا بالقياس، فقلة دقة ابن تيمية، وقلة اهتمامه بالتطورات اللاحقة على التي طرأت على منطق ابن سينا، ربما يعتبر سببًا كافيا لإهمال مباحثه المنطقية الناقدة قبل العصر الحديث.
4. الفلسفة الآلهية
4.1 الكلام واللغة الإلهية
يتماشى ابن تيمية مع التراث التقليدي الذي عليه عامة الحنابلة في باب الآلهيات، بأن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في القرآن، أو وصفه به رسوله محمدا ﷺ، إيجابا وسلبا، كما جاءت الآية الكريمة {ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، لكنه يصر دائمًا على أن أسماء الله وصفاته الموحى بها منزهة عن المماثلة والمشابهة بالمخلوقات. لكن صفات الله كالسمع والبصر يجب أن تثبت على ظاهرها كما فهمها وفسرها السلف، ولا يجوز تحريفها أو تأويلهاأو تعطيلها.
الحجاج التيمي في مسائل التشبيه والتنزيه كان يستهدف تيارين رئيسين، الأول: تيار متأخري المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة، الذين يشبهون صفات الله بالمخلوقات أولا ثم يعطلون صفات الله التي يفهم منها التجسيم والتمثيل،وربما يحاولون إعادة تفسيرها وتأويلها. فالله سبحانه وتعالى يستحيل عليه أن تكون له يدٌ بالمعنى الحرفي، فيجب تأويلها إلى “القدرة”. وبالمثل يجب إنكار استواء الله على العرش وإنكار أي من لوازم الحركة والمكان والحيز للاستواء،وإنما تُأول إلى ” الاستيلاء”. وهذا النهج الكلامي يرفضه ابن تيمية، ويصر على أن صفات الله سبحانه يجب أن تثبت جميعها على الوجه الذي يليق بجلالة الله وحده، فلا يجوز التفريق بين صفات الله بحيث تنفى الصفات التي يفهممنها الجسمية في حين تثبت الصفات الأخرى.
والثاني: تيار الباطنية لدى الشيعة الإسماعيلية حملة ميراث الأفلاطونية المحدثة والأرسطية، وأبي حامد الغزالي، والفيلسوف الصوفي ابن العربي الحاتمي وأتباعه. فالباطنية تدعو إلى مستويين من الوحي، وحي العامة ووحي الخاصة. فالفلاسفة أمثال ابن سينا وابن رشد مثلا، يفسرون كثرة نصوص الجسمية في القرآن عن الرب والمعاد، على أنها خيال ديني ليناسب العوام ومستوى تفكيرهمالسطحي، لأنه إذا قيل للعوام بأن الله والأخرة ليسوا اجساما فقد يفتح باب الشر عليهم ويعتقدوا بأنهما غير موجودين إطلاقا مما يضعف إيمانهم وتقواهم. لكن ابن تيمية يرفض هذا بشدة ويعلن العداء للتأويلات الباطنية وأفضليةالخاصة بالفهم وحوز الحقيقة، بل الوحي المتاح للجميع خاصتهم وعامتهم هو الحق في نفس الأمر. وإن كان ابن تيمية يوافق هذا التيار في نقده لتأويلات المتكلمين لظاهر نصوص الوحي.
وهناك تيار رئيسي آخر في التراث، يمنع الانسياق وراء الجدل الكلامي، ويمنع كل المحاولات لعقلنة صفات الله. فيعتبر المفوضة بأن معنى الصفات وكيفيتها بعيدة تماما عن التعقل والمفهوم البشري. فألفاظ كالسمع واليد والتي تطلقعلى الله كما تطلق على المخلوقات، لكن معناها في حق الله غير معلوم ولا ينبغي الخوض فيه.
يقر ابن تيمية بأن صفات الله لا يدرك كنهها وحقيقتها، لكنه يرفض مقالة المفوضة، كما يرفض النمط الكلامي لفهم النصوص بطريقة حرفية، فكلمات مثل “الاستواء”، “واليد”، ليس لها معاني حرفية يجب نفيها عندما يوصف بها اللهسبحانه وتعالى وتأويلها بمعاني وألفاظ أُخر. بل الصفات الآلهية يدركها العقل البشري لكن وفقأ لذات الله سبحانه. فنظرية ابن تيمية في اللغة هي نظرية سياقية، فالكلمة بدون سياقها لا تحمل أي معنى، والسياق هو ما يحدد معنىالكلمة. فالأسماء والصفات تطلق على الله كما تطلق على المخلوقات، ولكن مقتضاها في حق الله لا يتماثل مع المخلوقات تبعا لأولية الله سبحانه وتعالى. فالمعاني المطلقة الكلية لا توجد إلا في الذهن، ولا يوجد أي كليات خارج الذهن، ولكنالذهن يلحظ تفاوتا وتمايزا بين الصفات المشتركة في العالم الخارجي. فمع اتفاق الله والمخلوقات في الوجود يدرك الذهن بأن وجود الله واجب ووجود المخلوقات ممكن. فابن تيمية يتبنى الاختلافات التي طورها ابن سينا وتلامذته،فالعلاقة بين الألفاظ التي تطلق على الله والمخلوقات ليست من قبيل المتواطئ ولا من قبيل الاشتراك، وإنما هي من باب المشكك. ويفصل ذلك في كتاب الرد على المنطقيين فيقول:
{ الأسماء المقولة على الله وعلى غيره مقولة بطريق التشكيك الذي هو نوع من التواطؤ العام ليست بطريق الاشتراك اللفظي، ولا بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتماثل أفراده، بل بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتفاضل أفراده كمايطلق لفظ البياض على الشديد كبياض الثلج وعلى ما دونه كبياض العاج، فكذلك لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن وهو في الواجب أكمل وأفضل من فضل هذا البياض على هذا البياض. لكن التفاضل في الأسماء المشككة لا يمنع أن يكون اصل المعنى مشتركا كليا بينهما فلا بد في الأسماء المشككة من معنى كلي مشترك، وإن كان ذلك لا يكون إلا في الذهن وذلك مورد التقسيم تقسيم الكلي إلى جزئياته إذا قيلالموجود ينقسم إلى واجب وممكن، فان مورد التقسيم مشترك بين الأقسام ثم كون وجود هذا الواجب أكمل من وجود الممكن لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنى كليا مشتركا بينهما. وهكذا في سائر الأسماء والصفات المطلقة على الخالق والمخلوق كاسم الحي والعليم والقدير والسميع والبصير وكذلك في صفاته كعلمه وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته.}
رغبة ابن تيمية في مناقشة معاني الصفات الإلهية وفتح الباب أمام تفسيرها والبرهنة عليها، مع ولائه لمدرسته وتأكيده الدائم بأن كنه أسماء الله وصفاته لا يدرك، وأن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه كما جاء في الوحي، ومع هذافهو يسمح بالانخراط مع مخالفيه واستخدام مصطلحاتهم لبيان معاني الوحي والنصوص. ويبرر هذا بالقياس على الحكم الفقهي بأن القرآن يجوز ترجمته ونقل معانيه لنشر الرسالة للعالم. ابن تيمية ينقم على المتكلمين ما أبدعوه واخترعوه من مصطلحات فلسفية جديدة بدون أي مستند من الوحي وإدخالها في الجدل اللاهوتي، مصطلحات كالجوهر، والعرض، والجسم، والتحيز، ولكنه يجيز استعمالها عند الضرورةلمواكبة اصطلاح العصر.
4.2 العقل والنقل عند ابن تيمية
يعتقد ابن تيمية بأن كثيرا مما ورد في الوحي عن الله، يدرك أيضا من خلال العقل والفطرة. فالرسل تكمل ما يعرفه البشر مسبقا، ويأتي الوحي ليؤكد على الأدلة الصحيحة على الدين، ويكشف طرائق التفكير الخاطئة. وعليه فلا يوجدأي تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح، وهذا هو الادعاء الرئيس الذي كرّس له ابن تيمية أهم كتبه على الاطلاق، ” درء تعارض العقل والنقل“. فينقم ابن تيمية على الفلاسفة ومتأخري المتكلمين كفخر الدين الرازي الاشعري،الذين نزعوا النصوص من سياقها وحولوها إلى معلومات بسيطة مجردة، وحاكموها إلى أنظمة عقلية غريبة وخاطئة، أدت إلى تعطيل الله عن صفاته العلا. بالتالي كان النقد التيمي يهدف إلى سحب البساط العقلي من تحت اقدامالفلاسفة والمتكلمين من خلال اظهار أن الإلهيات هي ما يتفق عليه كلا من العقل الصريح والوحي الصحيح.
وما يلي من الفقرات في المقال سيركز أكثر على توضيح أفكار ابن تيمية نفسه في الإلهيات عامة، دون استمدادها النصي. والبداية مع آرائه في وجود الله والعالم
وكما ذكرنا سابقا، فيؤكد ابن تيمية على ضرورة أن كل حادث يحتاج إلى محدث لكي يوجد، ومن هنا يدرك المخلوقات حاجتها إلى واجد خالق بالبداهة، ولذا فلا حاجة للتطويل والتعقيد الكلامي في البرهنة على وجود الله من خلالالجوهر الفرد والأعراض. فابن تيمية يتمسك بمبدأ تقدمية العلة، فالعلة أكمل من المعلول، وكل ما وجد في المعلول من كمال، فالعلة أصلها وأمها. وبالمثل، فالخالق أكمل من جميع المخلوقات، ومن الخالق تستمد المخلوقات كمالاتها، ومنكمال المخلوقات ندرك كمال الرب بدون الحاجة إلى النصوص حتى. ومع هذا لا يسمح ابن تيمية ولا يُجَوز البرهنة على صفات الله من خلال قياس الشمول الذي تستوي أفراده، ولا قياس التمثيل الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع،بل لا يستعمل في صفات الله إلا قياس الأولى fortiori، حيث ينتقل الحكم من قضية لأخرى بناء على أن الثانية أكثر استحقاقا بالحكم من الأولى، وعليه فما يستحقه المخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه، فالخالق أولى به، إذالكمالات البشرية لن توجد ابتداءً بدون الله الخالق.
يوضح ذلك ابن تيمية في شرح الأصفهانية فيقول:
{ الله سبحانه لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قياس الشمول الذي تستوي أفراده ولا تحت قياس التمثيل الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع، فإن الله ليس كمثله شيء لا في نفسه المذكورة بأسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله،ولكن يسلك في شأنه قياس الأولى كما قال: “ولِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى «. فإنه من المعلوم أن كل كمال ونعت ممدوح لنفسه لا نقص فيه يكون لبعض الموجودات المخلوقة المحدثة، فالرب الخالق الصمد القيوم القديم الواجب الوجود بنفسه هوأولى به، وكل نقص وعيب يجب أن ينزه عنه بعض المخلوقات المحدثة الممكنة فالرب القدوس السلام القديم الواجب وجوده بنفسه هو أولى بأن ينزه عنه.}
ومن هذه المقدمات، يستنتج ابن تيمية بأن الله يجب أن يكون حيًا، سميعًا، بصيرًا، عالمًا، قادرًا، متكلمًا، وإلا سيكون ميتا، أصمًا، أبكمًا، أعمى، عاجزاً. وعليه فيكون مخلوقاته أكثر كمالا وعظمة منه، وهذا محال. وأكثر من هذا يجبأن يكون الله فاعلا متحركا، وليس ثابتا غير متحرك، وإلا فإنه يصير أقل رتبة من الجمادات، والتي يمكن أن يحركها شيء آخر، وبنفس الطريقة يكون للرب يد يخلق ويصنع بها المخلوقات، فهو أكمل ممن لا يملك هذه الصفة، وكذلكصفات كالضحك والفرح والتي يستحيل ضدها من الحزن والبكاء، والتي تقتضي الضعف والوهن. ويحب الله الكمال ويكره النقص لأن التمييز بين الكمال والنقص من خلال الحب والكره هو أكثر كمالا من عدم القيام بذلك، لكن علىالرغم من هذا فلا يجوز على الله الاكل والشرب لما يلزمها من معاني العوز والاحتياج، والكمال يقتضي الغنى والقيومية، ويؤكد ابن تيمية أن الكمال الإلهي يقتضي أن صفات الرب غير مماثلة لمخلوقاته.
4.3 الله والمكان
يتبنى ابن تيمية في المكان موقفا تراثيا وجد عند بعض المتقدمين مثل ” عثمان بن سعيد الدرامي”، والتي تفرق بين الله في العلو والعالم في السفل. ويرى ابن تيمية بأن العلم بعلو الله ومباينته للعالم ضروري في العقل والفطرة، اللهفوق العالم وليس داخله ولا يحويه أي شيء من المخلوقات، وهذا هو مقتضى النصوص التي جاء بها الوحي: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩}، { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، فيطور ابن تيمية الحجج لعلو الله مكانياعلى خلقه ويبسط الكلام على ذلك في كتابه { بيان التلبيس} والذي كتبه لنقض كتاب الإمام الأشعري فخر الدين الرازي {تأسيس التقديس}، وفيه يدلل الرازي على تنزه الله سبحانه عن المكان ولوازمه من التحيز والجهة، وكذلك الرب لايكون داخل العالم ولا خارجه، فالله كيان مفارق ومتنزه عن المكانية، ولا يمكن الوصول إليه إلى بالعقل والتفكر. ويقدم الرازي الحجج المتنوعة على مقالاته تلك، لكن ابن تيمية ينقضها واحدة تلو الأخرى ليبين آرائه الخاصة.
يجادل الرازي بأن الله لو اختص بمكان وجهة، لكان في حاجة إلى هذا المكان، وفي هذا يتبنى الرازي التصور الأفلاطوني للمكان بأنه يوجد مستقلا عن الموجودات (البعد الموجود المجرد عن المادة)، فلو كان الله متحيزا، لكان محتاجافي وجوده إلى ذلك الحيز والمكان وهذا محال، لمناقضته قيومية الله واستغناءه بنفسه عن غيره. لكن ابن تيمية ينكر وجود المكان والحيز باستقلالية وجودية جوهرية عن الموجودات والمتحيزات. وفي هذا يستلهم ابن تيمية من ابن رشدإنكاره للفراغ والخلاء ويعرف المكان بالاصطلاح الأرسطي بأنه (عبارة عن السطح الباطن للجسم الحاوي)، ولكن العالم ليس في مكان لأنه لا شيء يحيط بالعالم ولا حتى الخلاء والفراغ. يؤكد ابن تيمية أيضًا أنه لا يوجد خلاء،فالمكان (الحيّز) هو الحدود التي يمتد بداخلها الكائن ويتواجد. الحدود هي جزء من الكائن ولا توجد مستقلة عنه. بدون الكائن، لا يوجد مكان. بمعنى آخر، الكائنات لا تشغل مكانًا؛ بل الكائنات تمتد مكانيًا (متحيزة). لذلك، لا يوجدشيء سوى الله والعالم. لا يوجد شيء فوق العالم سوى الله، ولا يوجد مكان وحيز فوق الله حتى يقال إن الله بحاجة أن يشغله.
وتماهيا مع المتكلمين، يقول الرازي بأنه الله لو كان في جهة لكان مركبا ومنقسما، وهذا يعارض وحدة الله، وابن تيمية يوافق على ان الله ليس مركبا ولا قابلا للقسمة، لكنه لا يسلم للرازي بأن المكانية مقتضية للتركيب والقسمة في حالةالإله، بل يجادل بأن الرب يمكن أن يكون عظيما وغير قابل للقسمة، فالله عظيم ولا يمكن لأحد قياس عظمته ويتصورها، لكنه يشرح بأن الله له حد، إذا يستحيل على اللامحدود أن يمتد في المكان والجهة.
يجادل الرازي أيضا على تنزيه الله عن المكان بأن الأرض الكروية فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى سكان أهل المشرق هي تحت بالنسبة إلى سكان المغرب، فلو اختص الباري بشيء من الجهات لكان في جهة التحت بالنسبة إلىبعض الناس، وهذا شيء غير منطقي، ولكن يرد ابن تيمية بأن فإنه لا نزاع بين البشر أن الأرض هي تحت السماء حيث كانت وأن السماء فوق الأرض حيث كانت. وبالمثل يكون علو الرب على البشر، في الحقيقة الله سبحانه محيطبالعالم {أن يكون خالق الجميع فوق الجميع ومحيطًا به من جهته المحيطة جميعها} {بيان التلبيس 4|52}
تسير فكرة الجهة والتحيز المكاني ناحية القول بالتجسيم في الذات الإلهية، ومع هذا فابن تيمية متحفظ جدا من وصف الله بالجسمية، لأن لفظ ” الجسم” لم يرد في الوحي نفيًا ولا إثباتًا، ولا على لسان السلف الأوائل. وكما حذر مناستخدام المصطلح لأن المتكلمين يرون الجسم هو ما يقبل التقسيم والتركيب. ومع ذلك يسمح ابن تيمية بوصف الله بالجسم بعد تفصيل المعنى، ونفي التركيب والتجزئة والانقسام. لتلخيص آراء ابن تيمية حول الله والمكان، فالرب عظيم، وليس قابلا للانقسام ولا التجزئة، ومحيط بالعالم من كل الجهات، والله ليس حالا ولا محصورا بمكان، ولا متعاليا مفارقا للمكان، لكن الله مكاني لذاته، لا وجود للخلاء، ولا يوجد إلاالله والعالم الذي خلقه.
4.4 الله والخلق والزمان
يرى ابن تيمية بأن كمال الله يقتضي دوام أفعاله الإلهية، ولا يقتضي كونه متعاليًا على الزمان كما في علم الكلام وفلسفة ابن سينا، ففهم ابن تيمية للزمان يأخذ طابعًا أرسطيا كما هو فهمه للمكان. الله سبحانه لا يتعالى علىالزمان، ولكنه كذلك لا ينطبق عليه حكم الزمان ولا يمر عليه. بل الزمن يوجد بفضل أفعال الله الدائمة، وخلقه المستمر للعالم، فالزمان دائما موجود، وجنس الزمان دائما قديم أزلي لأن الرب لا يزال فاعلا يخلق الشيء قبله شيء بلابداية. لكن الزمن ليس كيانا مستقلا بالوجود عن الله، بل الزمان مجرد مقدار الحركة التي ينبثق من خلالها.
فهم ابن تيمية لفاعلية الله وديمومتها مشابه لآراء الفيلسوف أبي البركات البغدادي (ت:1165م)، ومتكلمي الكرامية الذين عاشوا في العراق وأفغانستان، ويعترف بأن موقفه يتماشى مع ما يصفه المتكلمون بحلول الحوادث في ذاتالإله، لكن يفضل ابن تيمية تجنب استخدام مصطلح ” الحوادث”، لأنه لم يرد في النصوص الشرعية، وعوضا عن ذلك يتكلم عن فاعلية الله من خلال “الصفات الاختيارية” وهي الصفات التي تكون بمشيئة الله وقدرته، وتشمل: الخلق، والحب، والرحمة، والعدل، والغضب، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا. يقارن ابن تيمية بين رأيه وآراء المعتزلة والأشاعرة من خلال صفة الكلام كمثال رئيسي، فهو يتفق مع الاشاعرة بأن الكلام صفة تقوم بذات الله كالقدرة والإرادةـ، لكنهم يصرون على أن هذه الصفات أزلية قديمة، لا تعلق لها بالزمان،تنزيها لذات الرب عن أي تغير أو قيامٍ للحوادث، ويرد ابن تيمية بأن الأشاعرة بهذا الشكل يقطعون الترابط بين إرادة الله وقدرته من جهة، وكلامه من جهة أخرى، وهذا يفضي إلى مناقضة كمال الله سبحانه بجعله لا يتكلم بإرادتهومشيئته، كذلك يعتقد ابن تيمية أنه لا يمكن الجمع بين صفة الكلام الأزلية والأحداث الزمنية في العالم. وأما المعتزلة فتقر بأن الله يتكلم بمشيئته وإرادته، لكنه لا يقوم بذات الله بل هو مخلوق بائن عنه، حفاظا على تنزيه الله من حلول الحوادث بذاته، ويرد ابن تيمية عليهم بأنه هكذا لا يكون الله متكلمًا ولا قامت به صفة الكلام. بالنسبة لابن تيمية، فالقول الصحيح هو قول السلف بأن الله لم يزل متكلما بمشيئته وإرادته منذ الأزل، وأن كلمات الله تقوم بذاته المقدسة، لكن آحاد كلام الله ليس أزليا، لكنه ليس مخلوقا أيضا، لان المخلوقات لا تقوم بذات الله،فيكسر بذلك ابن تيمية الميراث والتقليد الكلامي بارتباط الحدوث والزمنية بالمخلوق، وارتباط القدم والأزلية بالخالق، فأفعال الله الاختيارية زمنية حادثة، لكنها ليست مخلوقة، والكلام الإلهي حادث غير مخلوق، بل ويتفاعل مع الأحداثالزمنية بالعالم.
الخلق في لاهوت ابن تيمية، صفة اختيارية مثل الكلام، يقتضي كمال الله بأنه لا يزال يخلق الأشياء بمشيئته وإرادته منذ الأزل بلا بداية، لكن آحاد المخلوقات لها بداية وليست أزلية، إذ لا موجود قديم أزلي إلا الله. فهذا العالمالمشهود قد خُلق في ستة أيام من مادة سابقة، والتي خلقها من مادة سابقة عليها وهكذا إلى لا بداية في الأزل. فالعالم في لغة ابن تيمية قديم النوع أو الجنس، إذ دائما هناك شيء مخلوق، لكن هذا الجنس مجرد مقدر ذهني، لاوجود حقيقي له في الواقع خارج الذهن. فتاريخ الخلق لن يكون له بداية ولا نهاية، لكن لن يوجد في الواقع إلا آحاد الكائنات المخلوقة.
رؤية ابن تيمية لعملية الخلق أقرب للفلاسفة أمثال ابن سينا وابن رشد من المتكلمين، ويتبع قولهما بأن كمال الله يقتضي ألا يمسك عن جوده وإنعامه في أي لحظة، بل الله دائم فضله وإحسانه على المخلوقات، لا ينقطع أزلا وأبدا، لكنابن تيمية مثل ابن رشد يرفض نظرية الفيض لصالح نظرية الخلق المستمر، وربما يكون استلهم ذلك من الفيلسوف الأندلسي، لأن ابن تيمية كان على اطلاع واسع بتراثه. كذلك يتبنى ابن تيمية نقد ابن سينا وابن رشد للمتكلمينونظرية الخلق من عدم. لأن العالم لو كان له بداية كما يدعي المتكلمون، لكان الله ناقصا وغير كاملا قبل خلقه، وعرضة للتغير والحدوث عند بداية عملية الخلق والتكوين، إذ هكذا سيحتاج العالم لمرجح أو علة فاعلة تجعل الله يبدأ فيعملية الخلق والإيجاد. يرد المتكلمون على هذا النقد من خلال القول بأن إرادة الله القديمة هي التي جعلته يبدأ في عملية الخلق، ولا حاجة لمرجح إضافي آخر يجعل الله يبدأها، لكن ابن تيمية يرفض هذا الادعاء باعتباره فرضيةمستحيلة، لأنها مبنية على تجويز الترجيح بلا مرجح.
4.5 السببية وسؤال الشر عند ابن تيمية
يؤكد ابن تيمية على عقلانية أفعال الله، فالله يخلق لعلة وحكمة، ولأن الله لم يزل خالقا للمخلوقات منذ الأزل، فإن حكمة الله في أفعاله قائمة بذاته منذ الأزل. لكن أفعال الله ليست إيثارًا مطلقا، بحيث يراعي مصالح العباد فقط، لكنهاأيضا تنعكس على ذات الله المقدسة، بالنسبة لابن تيمية، ليس من العقل ولا مما يمدح به الموجودات أن تقوم بأفعال لا تعود عليهم بشيء. يعترض علماء الأشاعرة بأن الله لا يفعل شيئًا لحكمة، لأنه سيكون محتاجا لها لكي يحققالكمال، ويرد ابن تيمية بأن من العقل أن يُكمَّل الفاعلون بأفعالهم، وأنه ما من كمال أكبر من أن يخلق الأشياء لأغراض حكيمة في الأوقات المناسبة بدلاً من الخلق بلا غرض. فالله تعالى غني بذاته، لكن ليس بمعنى التصرف بحريةبدون سبب، كما يرى الاشاعرة، بل بمعنى عدم احتياجه إلى أحد من العالمين. بالتالي، فإن حب الله عباده وطاعتهم لا ينبع من حاجة الله إلى الحب، بل هو تابع لحب الله سبحانه. حب الله بذاته هو الأساس، ومن محبة الله ينبع حب الله للبشر وخلق كل ما يفعلونه، بما في ذلك حبهم لله وطاعتهم له. الله لا يفعلليكتسب الكمال. بدلاً من ذلك، فإن أفعال الله الخلَّاقة، ومعها العالم المخلوق، هي لوازم ضرورية لكمال ذات الله المقدسة. حل ابن تيمية لمشكلة استغناء الله سبحانه، يتخذ طابعًا أفلاطونيًا محدثًا، وفكرة أن حب الله لذاته يؤدي إلىنشوء العالم بوصفه لازمًا ضروريًا توجد أيضًا في الأفلاطونية المحدثة لابن سينا.
يستخدم ابن تيمية لفظة السببية بطريقة مادية وسائطية لوصف عملية خلق الله للأشياء في العالم. مثلا، يخلق الله الفعل البشري من خلال إرادة الإنسان وقدرته، النباتات تنمو بسبب أمطار السحاب، والله يخلق المرض والموت منخلال السم. بصورة عامةً، فالله يخلق كل شيء بواسطة مواد سابقة وبالقوى المودعة في طبيعتها. فمن المنظور البشري، فالأسباب هي ظاهرة طبيعية في الوجود، حتى لو كان الله قادرا على تعطيلها وإيقافها في أي لحظة. ومنالمنظور الإلهي فهي مجرد وسيلة آلية.
خلق الله لأفعال العباد يثير مسألة المسؤولية الإنسانية عن أفعالهم وما كسبت أيديهم. فيرى المعتزلة بأن البشر مسؤولون كليةً عن أفعالهم لأنهم هم من يخلقونها، لكن ابن تيمية يرفض هذا المذهب، لأنه يتعارض مع شمولية قدرة الله،وبدلا من ذلك، يؤكد في أحد نصوصه المبكرة، بأن العباد يكتسبون أفعالهم، ولذا هم تحت مظلة الثواب والعقاب، لأن الله يخلق أفعالهم فيهم وليس في ذاته. وفي أحد نصوصه اللاحقة، يعزو ابن تيمية أيضًا أصل الفشل الأخلاقيالبشري إلى العدم لإعفاء الله تمامًا من خلق الشر. البشر معرضون للعقاب بسبب امتناعهم عن القيام بالأفعال التي خلقوا لأجلها. هذا الامتناع هو عدم؛ فهو غير موجود، وبالتالي لا يمكن نسبه إلى الله.
وكما كان ميل ابن تيمية ناحية ابن سينا والأفلاطونية المحدثة في استغناء الله بذاته عن العالمين، فقد صبغ نظريته في العدالة الإلهية وسؤال الشر (الثيوديسيا) بنفس اللون. فالله خالق كل شيء، بما في ذلك الشرور، لكن هذهالشرور لها أغراض حكيمة تؤول بها إلى الخير في النهاية، فالشر المطلق لا وجود له. فالشر هو شر فقط لأولئك الذين يعانون منه، فهو نسبي. أحيانًا يقول ابن تيمية إن الأغراض الحكيمة لله في الشر والابتلاءات لا يمكن معرفتها،وأحيانا يشير إلى أن حكمة الله بالبلاء تتعلق بتنمية الفضائل الدينية مثل التوبة، والتواضع، والصبر. يؤكد ابن تيمية بأن الله لا يفعل إلا الخير وأن هذا العالم هو أفضل العوالم الممكنة، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان. ولتجنبالتهمة بأنه يقلل ويحد من قدرة الله، فينص ابن تيمية على أن الله قادرٌ على خلق عوالم أُخر، لكنه كماله وحكمته المطلقة يقتضيان خلق هذا العالم.
5. نظرية الدين عند ابن تيمية
نظرية ابن تيمية في الدين، طبيعية اجتماعية بشكل واضح، على الأقل في أسسها، وكمل سيتم التفصيل لاحقا، فابن تيمية استند إلى تحليل ابن سينا للعلة الغائية، للإشارة إلى أن الله هو المألوه المستحق للعبادة. بالنسبة لابن تيميةفالبشر كائنات ديناميكية مصلحية، يتحركون لجلب منفعة ودفع مضرة، لذا بالضرورة سوف يرغبون ويحبون ويعبدون ويطيعون شيئا ما، لذا لا يمكنهم إلا أن يدينوا بشيء ما، والإنسان كائن مدني اجتماعي، فكل مجموعة بشريةستعتنق دينا ليوحدها ويرشدها لتحقيق المنفعة ودرأ المفسدة، لذا يتكون الدين من جزأين اساسين: الأول: المعبود المألوه الذي تتوجه القلوب إليه، والثاني: الشريعة التي يُعبد بها ذاك الإله ويحب. فالدين الذي أوحى به الإله والذي يجلب المصلحة القصوى للبشر، هو عبادة الله وحده ومحبته وطاعته من خلال تعاليم الإسلام. فيوضح ذلك كما يلي:
{ لكل حي من محبوب هو منتهى محبته وإرادته، وإليه تكون حركة باطنه وظاهره وذلك هو إلهه، ولا يصلح ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فكل ما سوي الإسلام فهو باطل، ولا بد في كل دين وطاعة ومحبة من شيئين أحدهما: المحبوبالمطاع وهو المقصود المراد والثاني: نفس صورة العمل التي تطاع ويعبد بها وهو السبيل والطريق والشريعة والمنهاج والوسيلة فهكذا كان الدين يـجمع هذين الأمرين: المعبود والعبادة، والمعبود اله واحد، والعبادة طاعته وطاعة رسوله، فهذا هو دين الله الذي ارتضاه كما قال تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ } ” قاعدة في المحبة 39″
يستخدم ابن تيمية مصطلح الألوهية والإلهية بمعنى أن الله هو المعبود الوحيد المستحق للعبادة، ويجمعها بمصطلح ” التوحيد” أي الاعتراف بالوحدانية وخصوصية الله سبحانه، للدلالة على اتخاذ الله معبودا مطاعا (توحيد الألوهية). كذلك يتخذ مصطلح ” الربوبية والربانية” للدلالة على الله الخالق الرازق مدبر الأمر. والإقرار بأن الله هو الرب الوحيد للعالم “توحيد الربوبية” والتي تعني بأن الله خالق كل شيء، بما في ذلك أفعال العباد. وقد اشتكى ابن تيميةكثيرا من أن المتكلمين يعطون الأولوية لتوحيد الربوبية ويتغافلون عن توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة. في المقابل يقول ابن تيمية بأن القرآن الكريم أعطى الاهتمام والأولوية لقضية الألوهية وإفراد الله بالعبادة، كما في دعاء سورةالفاتحة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فقدمت “إياك نعبد” والتي تعبر عن توحيد الألوهية، على “إياك نستعين” والتي تعبر عن توحيد الربوبية.
ويبين ابن تيمية قضية أولوية توحيد الألوهية وإفراده بالعبادة من خلال تحليلات ابن سينا للعلة في الفلسفة الأرسطية. فالعلة الغائية وهي التي لأجلها يوجد الشيء، والعلة الفاعلية هي التي تجلب الشيء للوجود، بالإضافة إلى أنالعلة الغائية هي علة فاعلية للعلة الفاعلية من حيث إنه يحفز العلة الفاعلية على الفعل. وفيما يلي يشرح ابن تيمية آية الفاتحة ويربط بين العلة الغائية والأولوهية، والعلة الفاعلية والربوبية، ويبرز أولوية الألوهية بكونها علة فاعلية لعلةالربوبية الفاعلية { الإله هو المعبود وتعلق الاستعانة بربوبيته، فإن رب العباد الذي يربيهم، وذلك يتضمن أنه الخالق لكل ما فيهم ومنهم، والإلهية هي العلة الغائية والربوبية هي العلة الفاعلية، والغائية هي المقصودة وهي علة فاعلية للعلة الفاعلية، ولهذاقدم قوله إياك نعبد على قوله وإياك نستعين ،وتوحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية فإنه من لم يعبد إلا الله يندرج في ذلك أنه لم يقر بربوبية غيره} ” بيان التلبيس 4|453″
يرى ابن تيمية بأن وسيلة العبادة التي يحبها الله، والتي تجلب المصلحة الأكبر للعباد هي الشريعة التي أوحى الله بها إلى رسوله محمد ﷺ، وهذه الشريعة تشمل كل ما يُحبّه الله من البشر أن يؤمنوا به ويفعلوه وهي تتضمنالشعائر الدينية، والعقائد الإلهية، والقوانين واللوازم الأخلاقية بين البشر وبعضهمـ والفضائل الدينية كالصبر على البلاء والشكر على النعمة. ويؤكد على أن الشريعة لا تتعارض مع العدل ومصالح العباد القصوى، بنفس الطريقة التيلا يتعارض فيها العقل مع النقل في العلم الإلهي، فيدافع عن عقلانية الشرع وأحكاما، كما يدافع عن عقلانية عقائده اللاهوتية. فبالنسبة له، فإن مصطلح الشريعة والعدل مترادفان، وبل ويذهب إلى حد القول بأن الله ينصر الدولةالعادلة ولو كانت كافرة، ويمحق دولة الظلم وإن كانت مسلمة. كذلك الشرع قد أتم المصالح على أحسن وجه، ولم يهمل مصلحة قط، فلا يوجد شيء خارج الشريعة يترجح منفعته على مضرته، ولذا يخطئ ابن تيمية الفقهاء الذينيتصورون أنه هناك أعمالاً حسنة لم تنص عليها الشريعة. وقد طور الغزالي عملية تقنين للمصالح المرسلة التي أطلقها الشارع من خلال تحديد خمس ضروريات أساسية للشريعة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسب. وقد تُعتبر المصالح التي لا توجد مباشرة في الشريعة جزءًا منالشرع من خلال توافقها مع تلك الضروريات. ينتقد هذه الاستراتيجية لأنها تشرع في الدين مالم يأذن به الله. وكذلك يرى أن تلك الضرورات الخمس التي قدمها الغزالي تركز على الشئون الدنيوية، ولا تأخذ بعين الاعتبار المنافعوالمصالح في الشعائر المفروضة كالصلاة مثلا. بالنسبة لابن تيمية فالشعائر المبتدعة كالاحتفال بالمولد النبوي وغيرها ربما لها بعض المنافع التي تعود على أصحابها، ولكن مفسدتها دائما تترجح على منافعها لذا ينكر ابن تيمية هذهالأعمال ويدعو إلى تركها متى ما أمكن ذلك.
لا يمكن للدين عند ابن تيمية أن ينفصل عن السلطة والقوة، وينتقد في هذا الصدد مسلكين خاطئين: الأول: هو الزهد والتقشف وتجنب السلطة والثروة حتى لا يتلوث الدين بالدنيا ومفاتنها، والثاني: هو السعي للسلطة والثروة، ليسلإقامة مصالح الدين، وإنما للمجد الشخصي بالرئاسة والولاية. ولذا يحرص ابن تيمية لتفادي هذه المسالك الخاطئة في كتاب ” السياسة الشرعية” على مزج السياسة العامة بالقواعد الشرعية التي جاءت في الوحي. فالمقصودالواجب من الولايات العامة سواء كانت سياسية، أو عسكرية، أو قضائية، أو علمية هو إصلاح دين الناس لكي يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فيجب على ولاة الأمور تعزيز مصالح الدين وعبادة الله وحده في إطارأي هياكل سياسية قائمة، وبينما يتحدث ابن تيمية عن تولية المسؤول العام، وتوزيع المال العام، وأمور الحرب والعسكر، وتوفير الخدمات العامة، وقوانين الجرائم والأحوال الشخصية، فإنه لا يحدد أي تصورات ونماذج مثالية للدولةالإسلامية تسعى لنحوها، بل يحث المسؤولين على العمل نحو الإصلاح الديني بأفضل ما يمكن ضمن الظروف المتاحة، مستخدمين القوة حسب الحاجة.
6. أسس الأخلاق
تبدو آراء ابن تيمية الأخلاقية في أفعال الله وأوامره للناظر فيها على أنها تتبع النفعية والمصلحة الكبرى التي تحقق السعادة لأكبر عدد ممكن. وهذا يتبدى من موقف ابن تيمية من العدالة الإلهية وسؤال الشر، فالله يمنح باستمرارأكبر مصلحة ممكنة لأكبر عدد من المخلوقات من خلال خلقه لأفضل العوالم الممكنة. وبالتالي فالنظرية التيمية حول أسس الأخلاق على المستوى البشري هي مرآة عاكسة للنفعية الإلهية. فهو يرفض التحسين والتقبيح العقلي لدىمتكلمي المعتزلة، حيث الأفعال توصف بالحسن والقبح في ذاتها، لذا يأمر الله بالفعل لأنه حسنٌ، وينهى عن فعل آخر لأنه قبيح. وهو كذلك يرفض نظرية الأمر الإلهي الاشعرية، أو التحسين والتقبيح والشرعي، حيث يكون الفعل حسنًالمجرد أن الله أمر به. ابن تيمية يسير على خطى متأخري الأشاعرة كالإمام فخر الدين الرازي بميولهم لنظرية العاقبة الأخلاقية، حيث يتم تحدد القيمة الأخلاقية للفعل بما يترتب عليه من نتائج، سواء أتت بالمصلحة واللذة أم أتت بالألموالضرر. فحسن الأفعال يتحدد من خلال تحقيقه المصلحة الأكبر للفاعل وللمجتمع بصورة عامة، ويجب على المجتمعات الإنسانية أن تسعى لجلب المصالح الكبرى، بالتالي تأتي الشريعة لكي ترشد البشرية وتدلها على مصلحتهمالأعظم في الدنيا والآخرة وهو عبادة الله وحده، وعبادته بالطريقة التي شرّعها.
ومثل غيره من فقهاء المسلمين، يتجاوز ابن تيمية المحرمات الصريحة لأجل الضرورات والمصالح. فمثلا يحرم الإسلام أكل الميتة، لكنها مباحة إذا كانت هناك مصلحة أو ضرورة لذلك، كتجنب المجاعة والهلكة. وبشكل عام، فابن تيميةيحافظ على مثالية تشريعات الوحي، لكنه يؤكد دائما على ضرورة الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، والأخذ بعين الاعتبار الضعف البشري والخطيئة والتي تجعل اتباع الشرع أمرًا صعبًا أو مستحيلا أو تكون البيئة جاهلة بأحكامالشريعة ابتداءً. وتعد آراؤه في مسألة الخلافة مثالا بارزًا على طريقته النفعية المصلحية. فيرى ابن تيمية بأن ” خلافة النبوة” أي خلاقة الأربعة الأوائل بعد موت النبي ﷺ، هي الصورة النموذجية الواجبة على الأمة الإسلامية، أما ” الملك” وهو درجة أقل أخلاقية، والذي ساد في أمصار المسلمين بعد الأربعة، فهو مباح عند الحاجة والضرورة. ومع هذا فيقول ابن تيمية أن النظام الملكي مجرد صغيرة من صغائر الذنوب، بالتالي يجب على المسلمين الموازنة بينالمصالح والمفاسد دائما حتى يتحقق أكبر مصلحة ممكنة للدين وفقا للظروف المتاحة. فمثلا، من المصلحة التغاضي عن شرب أحد الملوك للخمر إذا كان النهي عن ذلك قد يؤدي لضرر أكبر مثل ارتداده عن ملة الإسلام، بل ويؤكد ابنتيمية على أن هذه الطريقة في الموازنة بين المصالح والمفاسد هي من أنوار النبوة ومن هدي خير العباد ﷺ.
المراجع
المراجع الرئيسية
المراجع الثانوية
أدوات أكاديمية
|
|
|
|
|
|
|
|
Look up topics and thinkers related to this entry at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO). |
|
|
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database. |
مصادر أخرى على الإنترنت
مداخل ذات صلة
al-Razi, Fakhr al-Din | Arabic and Islamic Philosophy, disciplines in: philosophy of religion | Ibn Rushd [Averroes] | Ibn Sina [Avicenna] | Ibn Sina [Avicenna]: logic | Ibn Sina [Avicenna]: metaphysics
Hoover, Jon, “Ibn Taymiyya”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2024 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2024/entries/ibn-taymiyya/>.